تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير

تغزوت لقاء الأشقاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ذاكرة رماد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 103
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: ذاكرة رماد   الأحد يونيو 22, 2008 3:58 pm

تضعنا هذه الرواية ـ منذ بدايتها ـ فى عالم مشتعل بالموت والدمار ، تخوض بنا بين ألأشلاء ، والدخان ، جثث لأطفال ونساء تتناثر هنا وهناك ، أنات جرحى ونظرات مذعورة تلوك الخوف بين الخرائب والرماد .. لما لا ؟ فأنت فى مخيم صبرا ، وبالتحديد فى الأيام الأولى بعد المجزرة الشهيرة ، حيث رائحة الموت عالقة وصوره تومض فى ذاكرة من بقوا على قيد الحياة .. إنها ذاكرة الرماد .

وكما فى الأسطورة ، فإن طائراً يبعث من بين الرماد ، يعنى هذا الطائر رمزاً على المقاومة ، ففى الوقت الذى نظن فيه أن كل شىء انتهى ، نجده يبدأ من جديد فى هذا المكان ، وفى هذه اللحظة بالذات وبين انطفاء الموت ورماد الذكريات تتولد قصة حب بين شاب فلسطينى من رجال المقاومة ، وبين ( ندى ) الصحفية السورية التى جاءت إلى صبرا لتغطى أحداث المجزرة ، كانت البداية مجرد زيارة عمل ، لكنها علقت هناك ، حيث خفق قلبها للمرة الأولى بمجرد أن أمسك بيدها الشاب الفلسطينى .

كان رساما ، ممسوسا بوهج الحياة وجمال الطبيعة ، وكانت ندى شاعرة ، مرهفة العاطفة تبحث بين أحراش الواقع عن حب يحتويها ، هكذا يلتقيان ، وكان المفترض أن يزهر اللقاء ، غير أن للمكان وللزمان سطوة ووحشية لا تسمح للورود الصغيرة أن تتفتح ، إن كل شىء ـ هنا ـ مصبوغ بلون الرماد ، لهذا فإن كل العلاقات لاتقوم فى مناخها الطبيعى ، بل تتحول إلى مسارات صراعية داخلية تتجلى فى مستويات عدة ، تطرح عدداً من الأسئلة الصراعية بين العاطفة والواجب ..

هل يمكن للفن أن يكون بديلاً للسلاح ؟

هل يمكن للحب أن يكون وطنا بديلا ؟

هل يمكن للحب أن يحيا فى الزمان والمكان الخاطئين ؟

كان الشاب الفلسطينى موزعاً بين عواطفه ورغباته النفسة من ناحية ، وواجبه تجاه القضية من ناحية أخرى ، وكانت ندى موزعة بين رغبتها فى المضى وراء حبيبها المشتت حتى النهاية ، وبين نصائح الأهل والأصدقاء بالزواج من زميلها مدحت لتعيش حياة زوجية مستقرة فى بلادها .

هكذا يسقط الصراع السياسى المزمن مع العدو الإسرائيلى ، صراعاً داخليا يعمل فى نفس الوقت على توزيع الذات وتشتتها ، أما الكاتبة السورية إبتسام التريسى ، فقد نجحت عبر لغة شعرية مثقلة برماد الذكريات ، فى أن تجعلنا ـ نحن القراء ـ عالقين بين صراعات نفسيةغير محسومة ، عكست مظاهر التمزق الوجدانى والعاطفى الذى يعيشه الإنسان العربى على خلفية الصراع العربى الإسرائيلى .

عكست الرواية قدرة كاتبتها على الإنصات الرهيف لإيقاعت الزمن الدموى الذى نعيشه ، وجسدت مشاهد الموت والدمار على نحوحسى بحيث تتصاعد إلى أنوفنا أدخنة الحرائق وشواء الأجساد البشرية ، وتطير نظراتنا وراء الأشلاء ومشاهد الذبح كخلفية رمادية كابية لقصة حب تقاوم من أجل البقاء ، غير أن أهم مايلفت انتباهنا فى هذه الرواية ،هو إنصاتها لإيقاعات الأماكن ، فالرواية استأثرت بأماكن محدودة بين لبنان وسوريا بدت كرحلات عاصفة ومتقلبة بما يعكس عمق وطبيعة العلاقة بين شعبين توحدا فى التاريخ والمصير ، ولا يدهشنا أن الكاتبة جعلت من هذه الأماكن افتتاحيات للفصول والمقاطع السردية ، وقد حملت هذه الافتتاحيات الطبيعة النفسية لحياة مثقلة بدواعى الموت والتوتر والاحتقان الداخلى ، يمكننا ـ مثلا ـ أن نرى كيف يبدو الموت جاثما فى خلفية هذه الافتتاحيات على النحو التالى :

" أبدأ مشوارى اليومى صوب البحر ، عيناى تتصفحان الأفق المدمى ، ورائى يربض المخيم هادئاً يحتضن جروحه الباردة " .

" دخلت بيروت من بوابتها الواسعة ، بوابة الدم ، قرع سمعى الرصاص وأنا فى طريقى إليها ، عبرت المنعطف ، قرأت لافته الترحيب مطرزة ببقايا البارود والزجاج المتناثر " .

إن افتتاحيات مكانية على هذا النحو تصل ـ فى هذه الرواية ـ إلى خمس عشرة افتتاحية لهى ظاهرة أسلوبية ينبغى الالتفات إليها ، تبدو بمثابة بوابات سردية تضعنا مباشرة فى أفق الحرب وتستحضر فينا ذاكرة الرماد ، ومن ثم تنجح الرواية فى غمر القارىء بجرعات شعورية مكثفة ، ممهورة بلغة موزعة بين الاشتغال المجازى والتفاصيل الحية لعلاقات أخرىهامشية تدور فى أماكن مؤقته مثل المخيمات والموتيلات وأماكن العمل ومؤسسات الصليب الأحمر ، ولعل أبرزها حضورا هو الأديرة بوصفها محميات بشرية تنعم بالسلام فى زمن الحرب ، وحيث تعيش الراوية (ندى ) مع مجموعة من النساء المغتربات ، لهن ـ أيضاً ـ حروبهن الخاصة ، ويهربن منها بالتدخين والثرثرة واستهلاك الوقت ، والحقيقة أن كل شخصيات الرواية مأزومة ، تعيش حياة مؤجلة ، تستهلك عبر الممارسات اليومية الممهورة بإيقاعات الحرب ، فـ ( سحاب ) ناشطة وهبت نفسها للمقاومة وأجلت حياتها الخاصة ولذلك لانعرف عنها شيئا وكأنها امرأة بلا عنوان أو هوية ، و( هند ) تشارك ندى السكن ، تبدو مرحة تهتم كثيرا بمظهرها ، لكنها مطاردة بتاريخ مؤلم تحاول أن تخفيه .

ويفسر هذا الاستهلاك اليومى للحياة تكرار التنقل بين مدن تلوك الموت كل صباح وتزين به لافتاتها .إن الانتقال بين الأماكن مشهد متكرر يعكس نوازع الأرق وعدم الاستقراروالشتات .

وعلى الرغم من اكتظاظ الرواية ـ التى تصل إلى 200 صفحة ـ بعدد كبير من الشخصيات التى تظهر وتختفى ، إلا أن الكاتبة ( ابتسام التريسى ) آثرت أن تدير السرد عبر صوتين رئيسين ، هما صوتى ندى والشاب الفلسطينى بوصفهما متقاسمين للبطولة ، لقد حددت الكاتبة لنفسها هذه الاسترتيجية منذ البداية ثم زودتها بخطوط تقنية وأسلوبية تظهر فى ضمائر السرد ، كأن يكون حضور الشاب الفلسطينى على لسان ندى من خلال ضمير المخاطب ( أنتَ ) طوال الوقت .

وظنى أن الكاتبة لم تكن مضطرة إلى التزام استرتيجية واحدة طوال الوقت ، ولاسيما أنها لم تكن منضبطة تماما ، فكثير من المقاطع تروى بضمير الغائب حيث يحضر صوت الراوى العليم ، ويأتى هذا مربكا للقارىء مع كثرة التفاصيل وتعدد الشخصيات ، فاستخدام ندى لضمير المخاطب وهى تتكلم عن الشاب الفلسطينى أحدث قدراً من التماهى بين صوتيهما ، ولا سيما مع غياب علامات أسلوبية فارقة بين الصوتين ، وكان على القارىء أن يلجأ إلى تشكيل الضمير ليتأكد من نسبته إلى شخصية المتكلم ، فاللغة فى كل الرواية ذات سمات أسلوبية واحدة برغم اختلاف أصوات الرواة ، حيث يغلب الإيقاع الشعرى والتركيب المجازى والاستعارى المفرط أحيانا بما يضع النص فى أفق ملتبس وغير ممسوك ، فلايبقى فى الذاكرة بعد الانتهاء من قراءة العمل سوى الخطوط العريضة الواضحة ، فيما تتوه الخطوط الجانبية والتفاصيل الداخلية .

فاللقاء الوحيد الذى انفرد فيه الشاب الفلسطينى بندى فى مكان خاص ، يسرد عبر لغة شعرية محلقة متخلصة من حسيتها تماما ، فتضعه فى أفق من التجريد المجازى والغنائية الرمزية وهو الطابع الغالب فى الرواية كلها ، ومن ثم فإن القارىء لايلتفت إلى خصوصية هذه فى مصير الشخصية مسيرة السرد ، وما يحمله من دلالات خاصة سيترتب عليها أحداث أخرى ، فالقارىء يكتشف ـ فى نهاية الرواية ـ بأن (ندى ) لديها طفل ، من غير أن ينتبه إلى أن الطفل ثمرة اللقاء المجازى مع الشاب الفلسطينى .

وظنى أن التمثيل المجازى للمعنى أو الاستخدام الاستعارى للغة يبدو خلابا ومناسبا للذهنية العربية التى حملت ميراثا آسراً من البلاغة ، كما أنه مناسب لذهنية اعتادت القمع فلجأت إلى التعبير الملتوى خشية الممارسات السلطوية العديدة ، والطريف أن الكاتبات من النساء هن الأكثر حرصا على التمسك بأهداب المعنى المجازى ، فى وقت تخوض فيه المرأة معركتها الخاصة التى تحتاج قدراً من شفافية التعبير ووضوح المعنى .

فى هذه الرواية تأكيد على أن الهم العام مازال صالحا للتداول الأدبى ، فالمبدع العربى لم ينسحق تماما فى هموم اليومى المعاش أوالاستغراق فى قضايا ترفية ومفتعلة مثل قضايا الجسد ، فللعربى جراح قديمة لم تندمل بعد ، حتى بعد مرور ستون عاما على نكبة فلسطين ، مازالت القضية الفلسطينية جرحا حيا فى قلب المثقف العربى يعود إليه مرات ومرات ، ليجده أكثر عمقا وتشعباً واشتباكا بقاضيا أخرى داخلية ، وقدنجحت الرواية فى الربط بين قضايا الداخل العربى ممثلا فى الحرب اللبنانية التى مازالت تلقى بظلالها الثقيلة على المشهد السياسى ، وبين القضيبة الأم ، قضية الصراع العربى الإسرائيلى ، غير أن هذا الاشتباك السياسى العميق للرواية لم يقلل ـ فى أى لحظة ـ من رصيدها الإنسانى والوجدانى نتيجة لطاقة التعبير الشعرى من ناحية ، ومن ناحية أخرى نتيجة للحضور الدافىء لقصة حب تنهض من رماد الحرب ، ومن ثم فالرواية ترقى إلى المعنى الرمزى الذى يلوح به العنوان ( ذاكرة الرماد ) والذى يجد صداه فى عنوان داخلى نجده فى نهاية الرواية ( فينيق آخر ) ، كإشارة على نهوض جديد ومقاومة مستمرة ، ونتيجة لهذا التوظيف الرمزى فالرواية لم تنزلق ـ فى لحظة من لحظاتها ـ إلى المستوى الشعاراتى أوالأسلوبية الخطابية ، فظلت عملا فنيا جميلا مكتنزاً بالمعانى والدلالات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taghzout.mam9.com
 
ذاكرة رماد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير :: دراسات أدبية :: دراسات في القصة العربية القصيرة-
انتقل الى: