تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير

تغزوت لقاء الأشقاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ظاهرة الانتماء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 103
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: ظاهرة الانتماء   الأحد يونيو 22, 2008 3:41 pm

كذلك تتنوّع ظاهرة الانتماء حين تختلف ظروف أبناء الأصل المشترك، فتقسيم العمل -مثلاً- في مجتمع ما يُدخل إضافات جديدة تُنوع انتماءات أبناء ذلك المجتمع، وقد تلتقي تلك الإضافات مع أخرى تحصل في واقع مجتمع آخر مجاور، فتتشابه المشاعر لتشابه الظروف التي توجب تشابه الأهداف، وتمهد سُبُل تلاقي الجهود التي تخترقُ دوائر الأصل المشترك، وتقيم صلاتٍ توجب تشابك تلك الدوائر الأصول) بدوائر تطوّرها بالإضافة والحذف، كما هو الحال في رابطة الطبقة الاجتماعية؛ فهي إضافة إلى الأصل المشترك، وهي حذفٌ لبعض المضامين التي تمنع ترابط أبناء الطبقة الاجتماعية، وتعوق تطورهم.

إن تنوع الانتماء هو نتاج جدل الإنسان، وهو يبحث عن الوسائل التي ترقى به نحو التحرر، والانفلات من الظروف التي تعوق تطوره، فالإنسان يولد ضمن ظروف لا إرادة له فيها، وهذه الظروف تلزمه انتماءات لا إرادة له فيها أيضاً، وهي انتماءات قسرية كالانتماء إلى الأسرة والقبيلة والدين وغير ذلك. ولكن بني الإنسان ليسوا آليين، فتعامُلُهم مع تلك الانتماءات القسرية ليس واحداً، فبعضهم يستكين إلى تلك الظروف والانتماءات، وبعضهم يرى في جوانب منها ما يعوق تقدّمه، وبعضهم يرى ما يعوق تقدمه، ويتصوّر حلاً لمشكلته، وبعضهم يرى ما يعوق تقدمه ويتصور الحلّ، ويقرنه بالعمل اللازم لإزاحة ما يعوق التقدم، وفي أثناء ذلك يحدث الجدل، فيكون حاداً بالصراع أو هادئاً بالحوار، وفي كلا الحالين تظهر إرادة الإنسان القادر على التدخل في سير الظروف، مسلّحاً بالمعرفة البسيطة أو العميقة للقوانين التي تحكم الطبيعة والوجود الإنساني معاً. فالإنسان يُوجدُ بالعمل ظروفاً جديدة تصورّها، وقدّر أنّ وجودها أفضل من استمراريّة الظروف القديمة. ولكن خلق تلك الظروف حين تتسع دائرة المجتمع -لا يقدر عليه شخص واحد، بل يكون بتضافر جُهد مجموعة من الناس تلتقي أفكارها، ويتوحّد جهدها، فيتملّك أفراد المجموعة شعوراً مشتركاً بالانتماء إلى تلك المجموعة، وهو انتماء تملّكهُ أصحابه بإراداتهم، وأضافوه إلى انتماءاتهم السابقة.

وهكذا يمكن القول بأنّ الانتماء ليس قسرياً دائماً، ولو كان كذلك لما تطوّر المجتمع الإنسانيّ، ليس إراديّاً دائماً، ولو كان كذلك لا نقطع الإنسان عن ماضيه، والماضي تاريخ لا يمكن إلغاؤه.(3) ). إن الانتماء وجودٌ ماديّ ينعكس لدى الإنسان فكراً وشعوراً وسلوكاً، لأن الإنسان يملك تاريخاً، لا يستطيع الانفلات منه، وهذا التاريخ هو الوجود المادي المحقَّق للانتماء. وقد يكون الانتماء فكراً وشعوراً يسبقان وجوده المادي، وذلك في فكر القادة ورجال الفكر وشعورهم وهم يتصوّرون أوضاعاً إنسانية مُتَطوّرة، يرغبون في إيجادها بالإرادة الإنسانية.

إن قيام مجموعة من الناس بقيادة مجتمعها -كبيراً كان أم صغيراً- نحو ظروف جديدة، تقطع استمرارية الظروف القديمة- يطرح تساؤلاً عن العلاقة بين الانتماء والولاء.

يرى د. فرج عبد القادر طه أنّ الانتماء يعنى بالمستوى الشكلي أكثر من عنايته بالمضمون الجوهري التلقائي، بمعنى أنّ الفرد قد يكون عضواً في جماعة، ومحسوباً عليها إلاّ أنه لا يرتضي معاييرها، ولا يتوحد بها، ولا يشاركها ميولها واهتماماتها، فهو ينتمي إليها شكلاً، وليس قلباً، وفي هذه الحالة يصبح منتمياً إلى هذه الجماعة بينما يكون ولاؤه... لجماعة أخرى أو لزعيم آخر أو لمبدأ مغاير للجماعة المنتمي إليها)(4) ). ولكنّ تغليب الشكل على المضمون في ظاهرة الانتماء ليس دقيقاً فالعلاقة بين الشكل والمضمون في الانتماء ليست آليّة، فنحن لا نستطيع أن نقول بوجود انتماء شكلي وآخر قلبي، فالإنسان يتفرد بين المخلوقات بأنه يتطور بتملّك الإرادة الباحثة عن الأفضل، فإن توافق مع الظروف التي ينتمي إليها تَوَلّد لديه الولاء مع المحبّة والطمأنينة والاستعداد للتضحية دفاعاً عن تلك الظروف، وإنّ عَطّلَتْ الإرادة الإنسانية ظروفٌ فسوف يتغير مظهر انتماء الإنسان إلى تلك الظروف، وقد يستبدل بالمحبة وبالطمأنينة القلقُ أو العداءُ أحياناً، ولكن الإنسان مع ذلك لا يفقد جوهر الانتماء إلى ظروفه المتضمنة ظروفاً عائقة لإرادته. ولتوضيح ذلك يمكن الحديث عن الوحدة والتجزئة في الوطن العربي.

إن الذين يوالون التجزئة في قطر ما، يمثلون ظرفاً تاريخياً يعوق تطلّعات الناس في ذلك القطر إلى الوحدة، أي يعوق الانفصاليون إرادة الوحدويين في تحقيق الوحدة، وسوف ينتج عن ذلك صراع بين الوحدويين والانفصاليين، ولكنّ هذا الصراع لا يجعل انتماء الوحدويين إلى قطرهم انتماء شكلياً، ويستوي في ذلك أن يكون الوحدويون أقلية أو أكثرية في قطرهم، فلماذا لا يكون انتماء الوحدويين إلى قطرهم انتماء شكليّاً؟ إن الإجابة عن هذا السؤال يسيرة، فالانتماء إلى الوطن العربي لا يلغي الانتماء إلى القطر العربي لأنّ القطر جزء من كلّ، والكلّ يشمل الجزء ولا يلغيه، فالوحدوي يوالي قطره، ويوالي أهل قطره، ويرى أن الوحدة هي المستقبل الأفضل لقطره ولأهل قطره، لكنّ محاربة التجزئة لاتفقده جوهر انتمائه إلى قطره بل تفقده بعض مظاهر ذلك الانتماء إذ يشعر بالقلق، وبالعداء للانفصاليين ما داموا يقفون عائقاً أمام إرادته بالتطوّر، أي بالوحدة، وتضيف محاربة التجزئة إليه حبّ أمته كلّها، وتصور الطمأنينة في ظل وحدتها، وبذلك يتطور الانتماء القطري ليشمله الانتماء القومي، ويكون الولاء للأمة متضمنّاً الولاء للقطر. وبذلك تتنوع المشاعر داخل دائرة الانتماء الواحد تنوّعاً لا يفقده وحدته بل يؤكد أنه ظاهرة إنسانية متطوّرة بالجدل الإنساني الذي يقود خُطا الناس نحو الأفضل.

إن الحديث عن العلاقة بين الانتماء والولاء متشعب، ولكنّه لا يخرج عمّا ذُكر آنفاً، ويمكن توضيح ذلك بمثال آخر، فقد ينتسب شخص ما إلى حزب معين وهو مؤمن بأهداف ذلك الحزب، ثم يقوده نضاله إلى مرحلة تتعطل فيها إرادته في التطوير داخل مؤسسته الحزبية، فماذا يفعل؟ قد يستكين للظروف التي تعطّل إرادته، وقد يحاول التدخل لمنع استمرار تلك الظروف العائقة لإرادته في التطوير، ولكن انتماءه الحزبيّ لن يفقد الولاء، ولن يكون شكلاً بغير محتوى، بل شكلاً له المحتوى القديم مضافاً إليهما تصورات ذلك الشخص عن طرائق حزبه وتقدمه، ومحذوفاً منهما ما يعوق ذلك التطوير، فالناس المنتمون إلى رابطة إنسانية معينة متقاربون، وليسوا متطابقين في المشاعر والأفكار والسلوك. والتقارب يعني وجود الخلاف، وعمل الإرادة قائدة الإنسان نحو التطور والتحرر. إن الانتماء يُوجد الولاءَ وجوداً ظاهراً أو خفياً، فالظاهر يدل على توازن شخصيات المنتمين، وتوافقها مع قيم الرابطة الإنسانية التي ينتمون إليها؛ والخفيّ يوحي بقلق شخصيات المنتمين، وبحثها عن الأفضل غالباً.

إنّ الشخصيات القلقة تعبر غالباً عن مشاعرها الرافضة لبعض قيم انتمائها التي تعوق رؤيتها للتطور، وتحدّ حرّيتها، أمّا الشخصيات المتوازنة فإنّ مشاعر ولائها لرابطتها الانتمائية تكمن في النفوس، وإن كانت قوية، ولكنها تظهر حين تواجه الأخطار والنقد، كأن يتعرض المنتمون إلى رابطة إنسانية معينة إلى خطر اعتداء أو وباء يهدّد وجودهم، أو تتعارض مشاعر أحد المنتمين المغتربين عن أوطانهم مع القيم السائدة في المهجر، فتثور تلك المشاعر في المهجر تارة، وتهدأ أخرى، معبرة بذلك عن جدل إنساني قد ينتهي بإضافة انتماء جديد، وبذلك نصل إلى أن علاقات الانتماء هي أكثر العلاقات الإنسانية أساسية كالانتماء إلى الأسرة، كما أنها أكثر العلاقات الإنسانية عموميّة كما هو الحال في انتماء الغريب إلى مجتمع الاغتراب إذا استقرّ فيه(5) ).

وبعدُ، فما الانتماء؟

الانتماء ظاهرة إنسانية فطرية تربط بين مجموعة من الناس المتقاربين والمحددين زماناً ومكاناً بعلاقات تشعرهم بوحدتهم، وبتمايزهم تمايزاً يمنحهم حقوقاً، ويحتّم عليهم واجبات، وهو متطوّر بالإرادة الإنسانية الباحثة عن الأفضل تطوراً ينوّع، ويوسّع، ويربط دوائره بالحذف والإضافة وليس بالإلغاء، ولا بالخلق الجديد.

2 - الانتماء في العُرفِ الجاهلي:

إنّ الانتماء بصفته ظاهرة إنسانية متطوّرة بالجدل الإنسانيّ- لا يلزمه الوعي بحقيقة وجوده، فالانتماء في الأصل موجود بقوّة وجود ناس تربطهم علاقة ما، ومحدّدين بزمان ومكان معينين. وبذلك لا يكون النظر في انتماء الإنسان الجاهلي تمحُّلاً، ولا تنقيباً عشوائياً، ولا إنطلاقاً لأوابد بما ليس فيها، فمن الحقائق الثابتة وجود الإنسان الناطق باللغة العربية في شبه الجزيرة العربية، وفي مناطق واسعة من بلاد الشام والعراق قبل الإسلام. وكان جدل الإنسان العربي آنذاك عنيفاً بالصراعات الحربية تارة، وهادئاً في ظل التقاليد والعهود المتعارف عليها تارة أخرى، ولكن الجدل في كلا الحالين كان إرهاصاً بتحوّلات كبرى، تُطوّر الوجود الإنساني العربيّ، وتُحرّره من قيود التشرذم، والتناحر الداخلي، والعدوان الخارجي، وهي قيود تدفع الأمن والسلام والاستقرار، وتضعف قدرات الإنسان الجاهلي، بل تهدد وجوده أحياناً كثيرة.

كان جدل الإنسان الجاهلي يمحور بالإرادة الإنسانية الفاعلة، والباحثة عن الأفضل ضمن الظروف والقدرات المتاحة، والمشروطة بالفهم الجاهلي النسبي للأفضل، وذلك يستدعي وجود الانتماء الجاهلي، ويستدعي تنوّع ذلك الانتماء، لأنّ الانتماء ظاهرة إنسانية توجد بقوة وجود الإنسان نفسه، وتتنوّع بتنوّع الروابط التي تشدّ بعض الناس إلى بعض آخر، وتميز بعض الناس من غيرهم.

إنّ مفهوم الانتماء عند الجاهلي يُعرف بالقراءة الواعية، وبالتواصل الحميم مع ألفاظٍ وتراكيب وصلت إلينا منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، فالإنسان الجاهلي لم يعرف تصنيف الأفكار في كتب مؤلّفة، ولكنّه بثّ أفكاره، وكذلك مشاعره، في إبداعاته الأدبية، ولا سيما في مجال الشعر؛ فالتراث الجاهلي يفتقر إلى الصياغة المنطقية والفلسفية لظاهرة الانتماء، ولكنّ ألسنة الناس، ولا سيما الشعراء تدوالت لفظة الانتماء) وألفاظاً أخرى تشاركها في جذرها الثلاثي تداولاً يُسعف في معرفة فهم الإنسان الجاهلي للانتماء. فكيف ذلك؟

نحن نعلم بشكل قاطع أن الفكر الإنسانيّ مهما كان بدائياً لا يتم بدون قالب لغوي -صوتي لأنه يوجد تلازم لا ينفصم بين الفكر واللغة منذ بداية الأنسنة)(6) ). واللغة العربية الجاهلية هي حاملة فكر الجاهليين ومشاعرهم، وهي لغة حيّة، يستطيع العربي المعاصر أن يفهم أكثر ألفاظها وتراكيبها، ويستطيع العودة إلى المعجمات اللغوية، والشروح اللغوية والأدبية لتراث العصر الجاهلي لفهم الألفاظ والتراكيب المهجورة بسبب البعد الزمني وتغير أنماط الحياة. واللغة العربية يمتلك أبناؤها خاصّية التواصل بها بين ماضيهم وحاضرهم بقوة يفتقر إلى مثلها أهل اللغات الأخرى، إنّها لغة حيّة، وذاكرة أمة حيّة، نعرف بألفاظها وتراكيبها مشاعر أجدادنا وأفكارهم، حيث تتراءى لنا في تلك الألفاظ والتراكيب، ولا سيما القديمة منها، الدلالات العميقة على مناحي تفكير أسلافنا، وعلى مسارب مشاعرهم. والبحث عن تلك الدلالات العميقة في لفظة الانتماء)، وفي الألفاظ التي تشاركها في جذرها الثلاثي سيبرز لنا ظلالاً تفيء، تحتها ظاهرة الانتماء في العرف الجاهلي.

***

الانتماء) في لفظة الانتماء) ثلاثة حروف أصلية هي: النون، والميم، والألف المنقلبة عن ياء نمَى يَنْمِي) أو عن واو نَمَا- ينمو)(7) )، فمن الأول قول عبيد بن الأبرص(Cool ):

وخيلٍ كَأسْرابِ القَطَا قد وَزَعْتُها

بِخَيْفَانَةٍ تَنْمِي بِسَاقٍ وَعُرْقوبِ



ومن الثاني قول كعب بن مالك(9) ):

أنا ابنُ مباري الرّيحِ عمرو بنِ عامرٍ

نَمَوْتُ إلى قَحْطَانَ في سَالفِ الدهْرِ



وهذا يعني أن لفظة الانتماء) مؤسّسة على جذرين، وأنها ثنائية الأصل. والنظر في جذري الانتماء) يُوقف على دلالة أصيلة في ظاهرة الانتماء، وهي التقارب والتعدّد في إطار الوحدة، فالانتماء وحدةٌ تَضُمّ مالا يقلّ عن شخصين متقاربين في الصفات المكوّنة لكلّ منهما.

إن تقارب الجذرين: نَمَى) ونَمَا) ظاهرٌ، فهما يتّفقان في الوزن فَعَل)، وفي حرفين، هما: النون والميم، ويشتركان في اعتلال الحرف الأخير من كلّ اعتلالاً يخفي الاختلاف أكثر مِمّا يظهره؛ فالجذران يشكّلُ كلّ منهما مقطعاً صوتياً يتطابق مع الآخر، ولكن الحركة الداخلية لحروف الجذرين بالتصريف تبرز الاختلاف اليسير بينهما، مثلما يُظهر الجدلُ الإنساني الاختلافات بين المنتمين إلى رابطة ماتُوحّدُهم، وتشدُّ بعضَهم إلى بعضٍ. ومن الملاحظ أنّ أحد الجذرين نَمَى ينمي) تَتَعَدَّد مصادره(10) ) ويكثر استخدامه، وكأنّه بذلك يعلن تَفوّقه على صنوه(11) )، ويُنَبّه على أن تَساوي المنتمين إلى رابطة ماليس مطلقاً، بل يختلفُ باختلاف قدرات كلّ منهم، وأصله. وإذا عدنا إلى اللسان) نجد أنّ المعنى العام في جذري الانتماء هو الزيادة، بل الزيادة في الأشياء الحيّة غالباً، وقُرُبَ أن يكون فاصلاً حَدّياً بين الحيّ والجامد: فالأشياء كلُّها على وجه الأرض نامٍ وصامت: فالنامي مثل النبات والشجر ونحوه، والصامت كالحجر والجبل ونحوه)(12) )، وجاء في القاموس والناميةُ خلق الله تعالى، ومن الكَرْم القضيب عليه العناقيد)(13) )، والنامية من الإبل السمينة، ونَمَى الإنسان: سمن(14) ). وقد يوصف بتلك الزيادة غير الأحياء جاء ذلك في اللسان)، في تركيب واحد، هو نَمَى الماء: طَمَا)(15) . فحذرا الانتماء) يَعنِيان الزيادة المادّية ارتفاعاً وحجماً وتعدّداً وتفرّعاً(16) ) وبذلك يكون للانتماء وجود موضوعي هو الزيادة في الأشياء الحيّة والجامدة، وهذه الزيادة المتَضَمَّنَة في جذري الانتماء) تلتقي مع المفهوم المعاصر للانتماء بصفته ظاهرة إنسانية تتطور بالإضافة، أي: بالزيادة.

كذلك يدّل جذرا الانتماء) على أنّ الزيادة في الارتفاع والحجم والتعدّد والتفرعّ -تحدث خارج الوعي الإنساني، ودون تَدَخّل الإرادة الإنسانية، فهي الزيادة) تحدث بعمل القوانين التي نظم الله تعالى بها هذا الكون. ولكن الإنسان بإرادته، وبها ميّزه الله من سائر الموجودات، يستطيع أن يستخدم ما يعرفه من تلك القوانين لإحداث الزيادة، وبذلك جاء أحد جذري الانتماء) متعدّياً في عبارة اللسان) نَمَيْتُ الشيءَ على الشيءِ رفعته علمية، وكلّ شيء رفعته، فقد نميته)(17) ).

وبناء على مجيء نَمَى) لازماً ومتعدّياً يمكن القول بأنّ جذري الانتماء) في صيغتيهما الزمنيّتين المجرّدتين من حروف الزيادة يجمعان في إدراك الجاهلي بين ضدّين هما: القَسْر بالحدوث بالزيادة) خارج الوعي نَمَى الشيءُ)، والاختيار بالإحداث بالزيادة) بالإرادة الإنسانية الواعية نميتُ الشيءَ).

إنّ ثنائيّة القسر والاختيار في جذري الانتماء لا تنفي الوحدة، فالضدان: القسر والاختيار يتوحّدان في معنى الزيادة، وتلك الثنائية توحي بالجدل الإنساني الموصل إلى التطور بالإرادة، دون أن يطغى أحد الضدّين على الآخر إلى درجة إلغائه، فتلك الثنائية لا تعني التناقض بين شيئين يلغي أحدُهما وجود الآخر، كما هو الحال في ظاهرتي الليل والنهار؛ فظهور أحدهما في مكان وزمان معينين يلغي وجود الآخر حتماً، أمّا وجود القَسْر في ظاهرة الانتماء، كالانتماء إلى الأسرة، فإنّه لا يلغي إرادة أفرادها في تطوير ذلك الانتماء بالفكر والعمل.

وإذا سَلّمنا بأنّ الإنسان أدرك الأشياء المشخصّة بالحواس أوّلاً، وأنّه وضع لها سمات أسماء) لغوية، وأنّه ربط ذهنياً بين تلك السمات اللغوية ومدلولاتها العينية المشخّصة(18) )، إذا سلّمنا بذلك، فإننا نستطيع القول، بأن دلالة الزيادة المادية في جذري الانتماء تسبق في الوجود دلالة الزيادة المعنوية، وأن الزيادة المعنوية هي استخدام مجازي يدل على مرحلة متأخرّة في استخدام جذري الانتماء، وهو استخدام لا يلغي الأصل الزيادة المادية) بل يشمله، ويطوّره مثلما يشمل الانتماء الجديد انتماءات سابقة، ويعبّر عن تطوّرها. ومن الطبيعي أن نجد الاستخدام المتطوّر لجذري الانتماء وافراً في الشعر الجاهلي؛ فالشعر هو المجال الأكثر استيعاباً للجديد، بل الأكثر ابتكاراً، ولا سيما في مجال اللغة ألفاظاً وتراكيب. وباستقصاء ما أطلعت عليه وقفت على الدلالات المتطورة التالية في جذري الانتماء.

1-الزيادة في المنزلة والرفعة في الشأن. جاء في أساس البلاغة: ومن المجاز فلان يَنْميه حَسبُه، وقد نَمَاه جَدٌّ كريم، وقال النابغة:

إلى صَعْبِ المَقادَةِ مُنذِرِيّ

نَمَاهُ في فُرُوعِ المجد نامي



يمدح المنذر بن المنذر بن ماء السماء)(19) )، فجدّ المنذر هو النامي أي الرافع منزلة المنمِيّ، وذلك لأن المجد يكون في الآباء المتقدمين في الشرف. ومثل ذلك قول عمرو بن الأهتم السعديّ يفخر بجدّية: فَدَكِيّ، وهو من قبل أبيه، والأشدّ، وهو من قبل أمّه(20) ):

نَمَتْنِي عُروُقٌ مِن زُرارة للعُلَى

ومن فَدَكِيّ، والأَشَدُّ عُرُوقُ


مَكَارمُ يَجْعَلْنَ الفتى في أَرُومَةٍ

يَفاعٍ، وبعضُ الوالدينَ دَقيقُ



إنّ النّمْي إلى المجد، والمجد يشمل النسب والحسب، ونَمْيَهُ هما زيادة في المنزلة ورفعة الشأن، ولكن هذه الدلالة المعنوية تلازمها دلالة مادية تُلحظ في كثرة الأفعال المجيدة، وفي اتساع دائرة العارفين بالمنمِيّ وبالنامي. ويشاكل هذا المعنى قولنا: نَمَيْتُ الحديث إلى فلان: رفعته وأسندته... ويقال نَمَيْتُ الحديث: بَلَغْتُه على جهة الإصلاح)(21) ) فَنمْيُ الحديث هو زيادة في عدد العارفين به وبصاحبه.

2-النهوض للأمر الشريف. قال طرفة بن العبد يذكر قومه(22) ):

نُبَلاءِ السَّعْي مِنْ جُرْثُومَةٍ

تَتْرُكُ الدُّنْيا، وتَنْمي لِلْبَعَدْ



وقد قال الأعلم الشنتمري في شرح تَنْمِي للبَعَد): أي: تنهض للأمر الشريف البعيد المرام. وذلك لشرفهم وعُلُوّ هِمَمِهم).

3-سرعة الحركة: قال عبيد بن الأبرص يصف ظبياً تلاحقه كلاب صيد(23) ):

إذا خافَ مِنْهُنَّ اللْحَاقُ نَمَتْ بهِ

قوائِمُ حَمْشَاتُ الأسَافِلِ رُوْحُ



فنمت ها هنا: أسرعت.

4-الزيادة في القيمة المادية لأشياء. قال أبو ذؤيب الهذلي يصف درّة تَمَلّكها تاجرّ رَقَاحِيُّ)(24) ):

بِكَفّيْ رَقاحِيّ، يُحِبُّ نَمَاءَها

فَيُبْرِزُها للبَيْعِ، فَهْيَ فَرِيْجُ



فالدّرة لا تنمو، بل تنمو قيمتها، أي تزيد ثمنها، ويربح صاحبها.

5-الانتشار في المكان: قال عبد المسيح بن عَسَلَة الشيباني يصف الخمرة(25) ):
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taghzout.mam9.com
 
ظاهرة الانتماء
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير :: دراسات أدبية :: الانتماء في الشعر الجاهلي-
انتقل الى: