تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير

تغزوت لقاء الأشقاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المنهج النقدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 103
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: المنهج النقدي   الإثنين يونيو 23, 2008 11:00 am

ابن رشيق والنقد البلاغيّ:
ليس غريباً أن يتناول ابن رشيق هذه النقطة من ضمن ماتناوله من قضايا أخرى، وكان في الواقع مفصّلاً فيما كتب، محتذياً في ذلك أكابر البلاغيّين في المشرق العربي؛ مبيناً عن هضمه لتلك القواعد وتبحّره في فهمها، لأنّه وقف مطولاً إزاء الأبواب البلاغيّة الشهيرة من بيان ومعان وبديع، تتضمنّها فصول مختلفة تتعلّق بالتشبيه وأنواعه، والكناية، والتّورية، والتجنيس، والمطابقة، والمقابلة، والالتفات، وهلم جرّا. وهو قد وظّف هذه الأدوات البلاغيّة في نقده، وحكم بأنّ خلوّ الخطاب الشعريّ من بعضها أو كلّها قصور تخلّف؛ لذلك نجده يتبنّى موقف من ذهبوا إلى تطعيم الشعر بأدوات بلاغيّة، وبصورة مثيرة؛ يقول: "وقال غير واحد من العلماء: الشعر مااشتمل على المثل السائر، والاستعارة الرّائعة، والتشبيه الواقع، وماسوى ذلك فإنّما لقائله
فضل الوزن"([36]).

وعلى الرغم من شهرة ابن رشيق، فإنّه مع ذلك لم يأخذ باباً معيّناً في النقد فيدرسه دراسة مفصّلة تتّضح معها طريقته، ويتفرّد في ضوئها منهجه على غرار صنعة القاضي عياض، لذلك أضنانا البحث عن شيء من النقد يدخل في هذا الباب، لكن يجب التنبيه أيضاً بأنّنا لن نشتطّ أو نتعسّف في الاستشهاد، بل سنكتفي بما تركه الناقد فنقدّمه كماهو، وما خلّفه في الواقع لم يكن أكثر من شروح لأبواب البلاغة وأثرها على الخطابين الشعريّ والنّثريّ معاً؛ يقول في فصل "المطابقة" ممّا يظنّ أنها هي وليست منه مثمّناً تعليق الجرجاني على بيت شعريّ: "قال صاحب الكتاب: معنى قوله([37]) فيما أنكر أنّ البيت([38]) إنّما حقّه أن يكون في باب المقابلة، لمقابلة الشاعر فيه كلمتين بكلمتين تقرّبان من مضادّتهما، وليستا بضدّين على الحقيقة. ولو كانتا ضدّين لم يكن مازاد على لفظتين متضادّتين أو مختلفتين إلاّ مقابلة"([39]).

وليس لنا مانعلق به على هذا النّصّ، إذ أنّه نصّ بلاغي محض لم يحفل بما في بيت الشاعر من مقومات أخرى، وإنّما ركّز كلّ عنايته على مايشتمل عليه من مقابلة لا من طباق، فهو يتناول ماعرف عند ابن المعتزّ وغيره من بديع؛ لكنّ الناقد القيرواني أدرك معاني المصطلحات، وهضم مختلف أبواب البلاغة، فلم ينسب ماحقّه أن يكون في باب إلى باب آخر توهّماً أو جهلاً، وهذا شيء ليس باليسير. وقد يتضح موقف ابن رشيق النقديّ /البلاغيّ أكثر في تعليقاته على الأبيات الشعريّة المنفردة مثلما يتضح في تعليقه التالي على بيت امرئ القيس الشهير:

كَجُلْمُودِ صخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ



مَكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً




"فإنّما أراد أنّه يصلح للكرّ والفرّ، ويحسن مقبلاً ومدبراً، ثم قال "معاً"؛ أي: جميع ذلك فيه. وشبّهه في سرعته وشدّة جريه بجلمود صخر حطّه السيل من أعلى الجبل، فإذا انحطّ من عال كان شديد السّرعة، فكيف إذا أعانته قوّة السيل من ورائه؟

"… وقال بعض من فسّره من المحدثين" إنّما أراد الإفراط فزعم أنّه يرى مقبلاً ومدبراً في حال واحدة عند الكرّ والفرّ لشدّة سرعته، واعترض على نفسه، واحتجّ بما يوجد عياناً، فمثّله بالجلمود المنحدر من قمّة الجبل، فإنك ترى ظهره في النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك. ولعل هذا مامرّ قطّ ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه ولا وقع في خلده، ولا روعه.

"ومثله قول أبي نواس:

"ألا فاسْقني خمراً وقلْ ليِ هي الخمرُ"

فزعم من فسّره أنّه إنما قال: "وقل لي هي الخمر" ليلتذّ السمع بذكرها كما التذّت العين برؤيتها، والأنف بشمّها، واليد بلمسها، والفم بذوقها. وأبو نواس ما أظنه ذهب هذا المذهب ولاسلك هذا الشعب، ولا أراه أراد إلاّ الخلاعة والعبث الذي بنى عليه القصيدة؛ ودليل ذلك أنه قال في تمام البيت:

"ولا تسْقِنِي سِرّاً إذا أمْكَنَ الجهْرُ"

ويروي: "فقد أمكن الجهر" فذهب إلى المجاهرة، وقلّة المبالاة بالناس، والمداراة لهم في شرب الخمر بعينها التي لااختلاف بين المسلمين فيها"([40]).

وضوح منهج ابن رشيق واحتفاله بتأويل النّصّ:

من خلال الاستشهاد الذي أتينا به؛ يتبيّن أنّ ابن رشيق قد تناول نصّين يتعلّقان بموضوع واحد، وقد اتّضح فيهما منهجه جليّاً، حيث إنّه يعتمد على ذكائه الخارق، وعلى تفهّمه الكامل لما يقوله الآخر، وإلى إدراكه التامّ لمدلول المعنى فهو ممن يفهمون التأويل حقّ فهمه.

وهو يورد الشروح التي قام بها بعض الدارسين قبل أن ينقدها مسخّفاً توهماتهم أو مغالاتهم أحياناً في الكشف عن خبايا الخطاب الشعريّ.

ثم يدعم نظريّته النقديّة بمثال ثان لبيت أبي نواس الشهير في الخمرة، والذي فُسّر حسب مفاهيم خاطئة، فاشتهر ذلك الشرح وتداولته القراطيس، والألسنة، وشاع الخطأ الذي صاحبه مدّة ليست بالهيّنة، وذلكم ماحزّ في نفس الناقد فانبرى يصحّح الغلط، ويثبت دقّة المفهوم.

نريد القيل إنّ ابن رشيق في منهجه النقديّ ليس نائياً عن النقد الشامل الذي يكشف عن ثقافة موسوعيّة للآراء السابقة، وللنظريات البلاغيّة، وللشروح اللغويّة والدّلاليّة التي تعدّ أفضل من غيرها، وأقرب إلى الصّدق الفنّيّ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taghzout.mam9.com
 
المنهج النقدي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير :: دراسات أدبية :: النقد الادبي القديم بالمغرب العربي-
انتقل الى: