تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير

تغزوت لقاء الأشقاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كيف بدأ الشعر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 103
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: كيف بدأ الشعر   الإثنين يونيو 23, 2008 10:51 am

كيف بدأ الشعر!
لقد تناولت مختلف المظانّ هذه القضيّة بتفصيل؛ ومن المغاربة الذين كانت لهم آراء فيها يجدر ذكر (عبد الكريم النهشلي) الذي استشهد ابن رشيق بأحد نصوصه التي تتناول هذا الجانب؛ قال: "إنّ أوّل من أخذ في ترجيعه الحدّاء (مضر بن نزار) فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده فحملوه وهو يقول: وايداه! وكان أحسن خلق الله جرما وصوتا فأصغت الإبل إليه وجدّت في السير، فجعلت العرب مثالاً لقوله: هايدا هايدا- يحدون به الإبل، حكى ذلك عبد الكريم في كتابه"([8]).

وبعد أن أثبتَ ابن رشيق هذا الرأي لأستاذه النهشلي كأنّه لم يقنعه دليله هذا ارتأى أن يضيف إليه تدعيما وتوضيحا فقال: "زعم ناس من مضر أنّ أوّل من حدا، رجل منهم، كان في إبله أيام الربيع، فأمر غلاما له ببعض أمر، فاسبتطأه، فضربه بالعصا، فجعل ينشد في الإبل ويقول، يا يداه، يا يداه! فقال له: الزم الزم. واستفتح الناس الحداء من ذلك الوقت"([9]).

أوردنا هذين الرأيين لناقدين مغربيين كي نكشف عن إسهامات المغاربة في إضاءة بداية الشعر من وجهة، وبروز النقد المغربيّ وقيمته من وجهة ثانية.

وللنهشلي آراء كثيرة لم تقتصر على ما سبق فحسب، ولكنها بحثت في قيم أخرى لها وزنها في مفهوم الشعر وسلاحه وأثره كذلك؛ يقول: "كم جهد عسير كان الشعر فرج يسره، ومعروف كان سبب إسدائه، وحياة كان سبب استرجاعها"([10]).

فالشعر عند هذا الناقد سلاح خطير يقدّم ويؤخر، ويعزّ ويذلّ، ويعلي ويخفض، ويمنح ويمنع، ويقوي ويضعف؛ بل ويزوج ويطلق أحياناً([11]) لأنه الفن الأوحد الذي كان- وربما لا يزال- يثير العرب ويخيفهم ويروّعهم، أو يشتت صفوفهم أو يلمّ شعث اختلافهم تبعاً للموضوع الذي يلائم الموقف؛ مما أفضى إلى نشأة الأغراض الشعرية المتنوعة من هجاء ومدح وفخر وحكمة ووصف وغزل ورثاء وغيرها مع توظيف كل نوع من هذه الأنواع في المقام الذي تناسبه، والموقف الذي يؤدي الغرض أكثر.

وعندما نتحدث عن قيمة الشعر فنحن لا ننكر باثّ هذا الشعر؛ إنه هو هذا الناص صاحب الزفرات الساخنة، أو الشظايا المحرقة المدوّية بوساطة اللسان؛ لأنه هو السلاح الفتّاك المرهب الذي هزّ الأركان، وقوّض البنيان، هو هذا الذي هدّ عروشاً كانت زاهية، وشتّت جموعا كانت في شغل فاكهة، وهذا ما يؤكّده نقاد المغرب العربيّ جميعاً وفي طليعتهم (النهشلي) الذي تحدّث عن قيمة الشاعر في القبيلة فقال متحدّثاً عن الأفراح العارمة التي كانت تعمّ القبائل إذا نبغ فيها شاعر: "وكان الشاعر في الجاهلية إذا نبغ في قبيلة ركبت العرب إليها فهنّأتها به لذبّهم عن الأحساب، وانتصارهم به على الأعداء. وكانت العرب لا تهنّئ إلاّ بفرس منتج، أو مولود وُلد، أو شاعر نبغ"([12]).

إنّ نبوغ شاعر وظهوره في قومه هو في حدّ ذاته حدث له دلالته، لأنّه يغدو السيف السليط الذي يقاوم المعتدين على القبيلة، فيهابون جانبهم، ويخشون أمرهم ويتزلّفون إليهم طمعاً في عدم التعريض بهم، والإبقاء على صورتهم "المشرقة" بين أعدائهم.

ومن خلال ما تداولته المصادر وتناولته، نجد أنّ الإبداع الشعريّ نال حظّاً وفيراً من الاهتمام ومنحته قيمة، وأعطته المكانة التي كان العرب يولونها هذا الشعر، فكان الصورة التي تدفع إلى الاعتزاز به فهو السيف البتّار للأعداء الذين كانوا يخشون من أثر الكلام أكثر من خوفهم مخاطر السلاح. ولكنّ إرضاء الرأي العامّ ليس دائماً شيئاً هيّناً؛ لذلك كانت الشعراء تسهر الليالي وتضحي بنومها وراحتها من أجل البحث عن هذا الرضى وتلبية هذا الجانب المعنويّ للمتلقيّ. وحرصاً منهم على ذلك وتخوّفاً من الفشل أو الضعف إزاءهم في الآن ذاته. فقد التجأ كثير منهم إلى طقوس خاصة متداولة في المصادر التي عنيت بهذه الإشكالية، فقد كان "الفرزدق يقول: تمرّ عليّ فترة وخلع ضرس أهون علي من قول بيت من الشعر، كما كان بشار يتمرّغ في التراب حين تشرد عليه القوافي وتصعب، بينما كان بعضهم يخرج إلى البراري زمن الأسحار…([13]) [وقالوا]: كانوا يستعينون على الشعر بالتّفرد والوحدة.

وكان الليل أحبّ الأوقات إليهم، يعالجون فيه الإنتاج وقد هدأ الليل وسادته وحشة الظلام الرهيب. وربما استجاب الشعر للشاعر وانثال عليه انثيالاً عند أول نداء، وربّما هاج وماج أو اضطرب اضطراب الوحش الجائع... ذلك أنّ في الشعر قدراً من الإلهام غير منكور، والنفس الإنسانية غريبة في ملكاتها، غامضة في حالاتها.. لذلك دخل في وهم هذه الطائفة من الشعراء أنّ الشعر يأتي من مصدر خفي، ويهبط من عالم بعيد، فتصوّروا أنّ وراءهم شياطين يمدّونهم بما يقولون. ورسخ هذا الوهم في نفوسهم واستقرّ في أذهان الناس، فأكسبهم عندهم رهبة وجلالا، واختلط في أذهانهم الشاعر والساحر ، والكاهن، فهم جميعاً ينتمون إلى دولة الظلام الغامضة الرهيبة.."([14]).

ابن رشيق يكشف تعسّر الولادة على الشعراء:
وروى ابن رشيق طائفة من الحكايات التي تتعلق بالطريقة التي يلجأ إليها الشعراء عادة حينما يستعصي عليهم، فذكر أنّ (كثير) كان إذا حصل له ذلك يطوف في الرّباع المحيلة، والرياض المعشبة، فيسهل عليه أرصنه، ويسرع إليه أحسنه([15]).

وقال أيضاً: "وحدّثني بعض أصحابنا من أهل المهديّة- وقد مررنا بموضع بها يعرفه بالكدية هو أشرفها أرضاً وهواء- قال: جئت هذا الموضع مرة فإذا عبد الكريم على سطح برج هنالك قد كشف الدنيا، فقلت أبا محمد قال: نعم: قلت: ما تصنع هاهنا؟ قال: ألقح خاطري، وأجلو ناظري: قلت: فهل نتج لك شيء؟ قال: ما تقرّبه عيني وعينك إن شاء الله تعالى…."([16]).

وقالوا: كان جرير يشعل سراجه ويعتزل، وربما علا السطح وحده فاضطجع وغطّى رأسه رغبة في الخلوة بنفسه([17]).

ويصف ديدور (DIDEROT) الشاعر أو الفنان بأنه عصيّ المزاج، فهو قبل أن يمسك القلم، يضطرب عشرات المرات (في حضرة موضوعه) ويفقد النوم، ليستيقظ في منتصف الليل، فيهرول في قميص نومه بقدمين عاريتين ليدون كلامه في ضوء مصباح([18]).

اعتبار وحدة "البيت" مقياساً ذوقياً جماليّاً:

لقد كان الشعراء يبحثون في الشكل ولكن على صورة التحكم في البيت باعتباره الوحدة الأساسية في النص؛ وقد يعجب متلقّ آخر بيتين أو ثلاثة، فقد أنشد ابن الأعرابيّ بيتاً لأبي العتاهيّة:

فَرَجُ الشّدائد مثل حَلِّ عِقَالِ



واصبرْ علَى غِيَرِ الزّمان فإنّما




ثم قال لجليسه: هل تعرف أحداً يحسن أن يقول مثل هذا الشعر؟([19]).

وأنشد محمد بن كناسة إسحاق بن إبراهيم بيتين من الشعر، فقال إسحاق: وددت والله لو أنّ هذين البيتين لي بنصف ما أملك؛ والبيتان هما:

صَادَفْتُ أَهْلَ الوفاءِ والكَرمِ



فيّ انقباضٌ وحِشمَةٌ فإذا



وقلتُ ما قلتُ غيرَ محتشِمِ([20])



أرسلتُ نفسِي على سَجيّتها




ودخل محمد بن العباس بن التّيفاشي على (عبد المومن بن عليّ)، وابتدأ في إنشاد قصيدته اللامّية المعروفة، فلما أنشد البيت الأول منها، وهو قوله:

ما هزَّ عِطْفَيْهِ بين البِيض والأَسَلِ



مثلُ الخليفَةِ عبدُ المومنِ بن علي




أشار عبد المومن إلى الشاعر أن يقتصر على هذا البيت، وأمر له بألف دينار([21]).

وهذا الإعجاب بالبيت الواحد أو البيتين لم يكن في المواقف الذاتية فحسب، بل كان يراعي حتى في المفاهيم التي طبّقت على الملامح النقديّة في الشعر القديم من لدن القدامى المعاصرين لهم أو الذين خلفوا من بعدهم؛ حيث إنّهم كثيراً ما كانوا يقتصرون على بيت واحد معتبرينه أروع وأجلّ وأعمق وأسمى وأصدق وأمدح، أو أكذب وأسخف وأردأ وأسقط…

ومن هذه الأحكام ما وصل إلينا بشأن بيت أبي ذؤيب الهذليّ:

وإذا تُرَدّ إلى قليل تَقْنَعُ



والنّفسُ راغبةٌ إذا رغّبْتَهَا




حيث اعتبره (الأصمعيّ) أبرع بيت قالته العرب([22]).

سيادة الأحكام النقدية على البيت الواحد:
لقد سادت هذه المفاهيم مختلف اللمحات النقديّة، فكان النقاد القدامى يدلون بأدلائهم حاكمين على بيت واحد من ضمن قصيدة شعريّة، بل من خلال ديوان كامل أو دواوين عديدة؛ فعدّوا بيتاً مجهولاً بأنّه أحكم بيت قالته العرب؛ وهو قول الشاعر:

وفُؤاَدُهُ من حَرّهُ يتأوّهُ([23])



ولربّما ابْتَسَمَ الكريمُ من الأذى




وحكموا على قول الحطيئة التالي بأنّه أصدق بيت قالته العرب:

لا يذهب العُرفُ بين الله والنّاسِ([24])



مَن يفعلِ الخيرَ لم يعدمْ جوازيَهُ




ولا نتجاهل أنّ هذه المفاهيم سادت معظم الشعر العربيّ القديم وإن لم تسد كل الأحكام؛ أو على الأقل لم تكن القول الفصل الذي لا يناقش بل ألفينا من لم يحفل بهذه الأحكام التي تعتمد على الذاتية، والهوى أكثر من الاعتماد على نظرية نقديّة ثابتة لا تضمحلّ بمرور الدهر، لكن، وعلى الرغم مما استشهدنا به من أمثلة، فإنّ الحكم العامّ الذي لم يتجادل حوله كثيراً كان هو الميلان إلى "الصدق" حتى اجتمعت النظرة وتوحّدت حول البيت الشهير لحسان بن ثابت:

بيتٌ يُقَالُ إذا أنشَدْتَهُ صَدَقَا([25])



وإنّ أشعرَ بيتٍ أنت قائلهُ




فالنقد القديم إذاً، والذي كان رافداً للنقاد في المغرب العربي كثيراً ما كان يتجاهل جمال الصورة وروعة البيان، ويصبّ كل حكمه على ناحية لغوية بحت، أو يتجاهل المجاز فيطالب بالحقيقة؛ فقد ذكر أنّ ذا الرّمة أنشد بيته الآتي أمام (بلال بن بردة):

فقلتُ لِصَيْدَحِ انتجعي بلالا



رأيتُ الناسّ ينتَجِعُونَ غَيْثاً




قال بلال: يا غلام مر لصيدح بقتّ وعلف فإنّما هي انتجعتنا. ويعلق محمد الخضر حسين على هذا التصرّف من الممدوح فيقول: "من الظاهر أنّ ذا الرمة إنما أراد من انتجاع صيدح-التي هي ناقته- انتجاع نفسه، ومثاله في القرآن قولـه تعالى: {واسْأَلِ القَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَالْعِيرَ الّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَ إِنّا لَصَادِقُونَ}([26]). وإنما المراد أهل القرية وأهل العير، وإذا ذكر العربيّ انتجاع الناقة للممدوح وعنى به انتجاع نفسه، فلأنّ الراحلة لا تنتجع مكاناً إلاّ حيث ينتجعه صاحبها ومثل هذا المجاز لا يخفى على بلال بن بردة، ولكنّ الأوفق بمقام الاستعطاف وإظهار الحاجة أن ينسب الشاعر الانتجاع لنفسه"([27]).

ومن خلال هذا المنطلق حدثت تطلعات إلى تفاصيل أكثر؛ فانشطر آله إلى فريقين؛ فريق يجنح إلى اللفظ، وفريق ثان يؤثر المعنى قبل أن يحدث تطور أكثر فيأتي من يشترط توافر القيمتين معاً في العمل الشعريّ كما أوضحناه في التمهيد من هذا البحث.

فالشعر العربيّ من هذا المنظور وغيره، كان قد تعرّض أحياناً إلى انتقادات، وأحياناً أخرى إلى مؤازرة له والرفع من شأنه، لأن الشعر في الواقع من المصنّفات والنّصوص الخالدة التي ظلت تعايش العربيّ وتصاحبه انطلاقاً من بيئته الجاهلية الأولى ووصولاً إلى ما حققّته الأمة العربية الإسلامية من صنوف الحضارة، وألوان طرائق العيش في المأكل والمشرب والمحفل وفي الحكم نفسه. فالشعر الذي يواكب نهضة أمّة هو بلا شك شعر يحقّ له البقاء، ويجمل به أن يتداول من شخص إلى آخر، ومن زمن إلى آخر. ومثل هذه النّظرات هي التي أفضت إلى التنافس في تبويب هذا الشعر وتصنيفه، ثم التّدقيق في تركيباته المختلفة. وكان نقّاد المغرب العربيّ بدورهم يناقشون هذه القضايا، ويبحثون في هذه الإشكالات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taghzout.mam9.com
 
كيف بدأ الشعر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير :: دراسات أدبية :: النقد الادبي القديم بالمغرب العربي-
انتقل الى: