تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير

تغزوت لقاء الأشقاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 النقد العربي بداية ق20 حول تولستوي- الجزء الثاني -

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 103
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: النقد العربي بداية ق20 حول تولستوي- الجزء الثاني -   الإثنين يونيو 23, 2008 10:18 am

ويختتم سليم قبعين الفصل الثالث بقوله:"هذا ماكتبه الفيلسوف عن نفسه في كتاب عنوانه "فتوة"، و"صبوة" و"شبيبة تولستوي"، نقلناه عنه باختصار، (36-ص62) ، أيّ أنّ سليم قبعين يعتبر ثلاثية ليف تولستوي "الطفولة" و"المراهقة" و"الشباب" سيرة ذاتية للكاتب ذاته. علماً بأنّ تولستوي كان ينظر إلى هذه الثلاثية على أنّها معالجة أدبية لسيرة حياته. والمعالجة الأدبية ليست سيرة حياتية، بالمعنى الدقيق لهذا المفهوم. ولذلك فإن اسم بطل قصة "الطفولة" في الأصل هو (نيكولينكو) أمّا في الترجمة فهو (ليف) وبما أن المترجم يحاول جعل تولستوي في شبابه مثالاً للأخلاق الحسنة فإنّه من أجل تحقيق هذا الهدف يحذف الكثير من ثلاثية تولستوي ويضيف من عنده بعض الأمور. وهكذا فإنّ سليم قبعين في فصل "تأملات". يجبر تولستوي الفتى على تعليم رفاقه الأكبر منه سناً. كما أنّ المترجم يصور الأخ الأكبر (فالوديا) أنانياً على عكس أخيه الأصغر الذي ينطق بالحكمة منذ طفولته، كما أنّ المترجم يغيّر علاقة بطل الثلاثية (بنخليودوف) . يكتب تولستوي في ثلاثيته: "كان نيخليودوف بحضور الآخرين لا يعيرني أي اهتمام"(94ص73) . أما في كتاب سليم قبعين فإن هذه الجملة غير موجودة لأنّها تتضمن بعض التقليل من قيمة تولستوي ومكانته الذي هو في نظر المترجم، يفوق الآخرين، منذ طفولته، وكما أن سليم قبعين يحذف نهاية الفصل حيث يتحدث تولستوي عن تأثير نيخليودوف على بطل القصة، الذي استوعب على نحو غير إرادي اتجاه نيخلودوف كما يقول تولستوي في قصته. أما المترجم فيصور تولستوي منذ طفولته فيلسوفاً ينتقد الآخرين. فهو لا يتأثر بالآخرين وإنّما يتأثر به الآخرون، حتى نيخليودوف يتأثر بالحكيم الصغير.

ويصل سليم قبعين إلى هدفه وهو وصف بطل القصة بالكمال عن طريق الحذف والإضافة. وبذلك فإن قصة تولستوي تفقد ميزة من أهم ميزاتها وهي "معرفة الحركات الخفية للجانب النفسي من حياة الإنسان معرفةً عميقة". (119-ص428) .

يرى الكاتب الروسي تشيرنيشفسكي (1828-1889) أن التحليل النفسي قد يتخذ اتجاهات مختلفة، أما عند تولستوي، كما يرى الكاتب المذكور، فهو يتخذ شكلاً معييناً وهو تصوير"... العملية النفسية ذاتها ، أشكالها، قوانينها، جدلية الروح، لكي نعبر عن فكرتنا بمصطلح محدد" ( 119-ص422-423) ..

في الفصل الرابع يصف سليم قبعين البساطة التي كان يعيش فيها تولستوي في قريته ياسنايا بوليانا. وفي الفصل الخامس يتحدث قبعين عن فلسفة تولستوي.

أمّا القسم الثاني من الكتاب فيخصصه سليم قبعين لقرار المجمع المقدس بحرمان ليف تولستوي من الكنيسة الذي صدر في 20 شباط عام 1901 والذي نشر في جريدة "أخبار الكنيسة" وجاء في القرار:"... وفي أيامنا هذه ظهر معلم كاذب هو الكونت تولستوي... وقد أنكر علانية أمام الجميع أمّه الكنيسة الأرثوذكسية التي هذبته وثقفته وكرس جميع مواهبه وقواه العلمية لنشر التعاليم المضادة للمسيح والكنيسة ليزيل من عقول الناس وقلوبهم إيمان آبائهم.... وهو ينكر اللّه الحي في الثالوث الأقدس الممجد خالق وضابط المسكونة وينكر الرب يسوع المسيح الإله والإنسان.... ولا يعتقد بالحياة بعد الموت ولا بالعقاب والثواب"(36 ص53-54) .

وقع على القرار كل من المطارنة: مطران بطرسبورغ ومطران كييف ومطران موسكو ومطران وارسو وغيرهم.

أمّا عن ردة الفعل التي أحدثها القرار المذكور فلقد قامت المظاهرات وطالب الكثيرون من أتباع تولستوي المجمع المقدس بحرمانهم معه. أمّا الكثير من الشعب فوقف مع المجمع المقدس وضد تولستوي ولذلك فلقد أرسلت زوجة الكاتب الروسي رسالة إلى مطران بطرسبورج بصفته رئيس المجمع المقدس قالت فيها مدافعة عن زوجها:".....أما إذا كان القصد من حرمان ليف نيكولايفتش تنفير الناس منه واستمالتهم عنه، فهو خطأ واضح لأن جميع الناس زادوا تعلقاً به وميلاً إليه وسخطوا من هذا الحرم ولا تزال تردنا الشواهد على ذلك من جميع أقطار العالم.".(36-ص58) .

واستنكرت صوفيا أندريفنا زوجة تولستوي القرار السري الذي أصدره المجمع المقدس والذي يمنع الكهنة من الصلاة على جثة تولستوي بعد مماته ويمنع دفنه بموجب طقوس الكنيسة. وأجابها مطران بطرسبورج بما يلي:".... ولذلك نقدر أن نقول كلمة "واحدة" عمن ينكر المسيح وهو أنّه ينتقل من الحياة إلى الموت وعلى ذلك يتوقف هلاك زوجك....."(36 ص61) . ويرى المطران المذكور أن تولستوي نفسه لا يريد أن يدفن بحسب الديانة المسيحية. ورد ليف تولستوي على قرار المجمع المقدس لأنّه استلم مجموعة من الرسائل تهدده بالقتل. فكتب له أحد الناس:"ستموت الآن كالكلب.....". (36-ص66) وكتب له آخرون بأن على الحكومة زجك في السجن وإن لم تفعل ذلك فنحن نجبرك على السكوت. ويكتب تولستوي أنّه خرج إلى الساحة العامة في موسكو في الخامس والعشرين من شهر شباط، وهو اليوم الذي أذاع به المجمع المقدس قرار الحرمان فاستقبله الجمهور باللعنات والشتائم، وضربه بعضهم.

ولا ينكر تولستوي في رده على المجمع المقدس أنّ الكنيسة أخفت إخفاءً تاماً جوهر التعليم المسيحي. ويذكرتولستوي أنّه كتب لجميع أقاربه لكي يطرحوا جثته الجامدة بعد موته بدون أن يصلي عليها أحد كما يطرحون الشيء الفاسد الذي لا لزوم له لكي لا يزعج الناس بوجوده.

سليم قبعين أول من ترجم من اللغة الروسية إلى اللغة العربية قصة تولستوي "لحن كريتسر" (1889) .

مع أنّ سليم قبعين يعتبر نفسه من أتباع تولستوي المخلصين لمبادئه، فهو يفهم الأدب الروسي على أنّه قوة حية فعاله ولذلك فهو يسخر الأدب الروسي من أجل حل المشاكل المعاصرة لواقعه العربي، ولذلك فأحياناً يغير في النصوص. وكانت هذه الحقيقة واضحة في ترجمته لقصة تولستوي "لحن كريتسر". التي نشرت في القاهرة في عام 1903. ويرى المستشرق الروسي دميتريفسكي إن هذه القصة ترجمت إلى اللغة العربية من اللغة الفرنسية في عام 1902
(132-ص13) . وقام بالترجمة في البرازيل الكاتب رفول أفندي سعادة. ويشير كتاب "ترجمة مؤلفات ل.ن. تولستوي إلى اللغات الأجنبية"، إلى هذه النقطة
(170-ص291) .

ويشير الكاتب المذكور إلى أن قصة "لحن كريتسر" صدرت مرة ثانية في القاهرة في عام 1913.

كتب مقدمة ترجمة قصة "لحن كريتسر" رفول سعادة. والجدير بالذكر أن عنوان الرواية بالترجمة هو:"الوفاق والطلاق أو لحن كريتسر". وبعد ذلك وعلى الصفحة الأولى نجد وصفاً للرواية بأنّها رواية اجتماعية غرامية أدبية.

كان سليم قبعين من أنصار تحرير المرأة في المشرق العربي ولذلك قام بترجمة قصة "لحن كريتسر" التي كان لها صدى اجتماعي آنذاك. وبوجه خاص بعد صدور كتب قاسم أمين" تحرير المرأة" (1899) وكتاب "المرأة الجديدة"(1901) والكتب الأخرى التي تنادي بتحرير المرأة في المشرق العربي.

أحدثت كتب قاسم أمين (1865-1908) ، ضجة اجتماعية كبيرة في ذلك الوقت.

فلقد كان قاسم أمين كما كتب عنه ي.يو.كراتشكوفسكي: "أول مسلم في مصر يرفع بقوة صوته مدافعاً عن حقوق المرأة المشروعة" (160ص127) ، ويكتب المستشرق الأكاديمي، رئيس قسم اللغة العربية في جامعة لينينغراد الحكومية ي.يو.كراتشكوفسكي:

"إن الصحفي الجيد سليم قبعين الذي قدم الكثير للأدب العربي المعاصر في مجال تعريف القراء العرب بالأدب الروسي. والذي قام في عام 1903 بترجمة قصة تولستوي "لحن كريتسر" قد وسع أفق المسألة التي طرحها قاسم أمين حول تحرير المرأة"(160-ص133-134) .

قامت أستاذة الأدب العربي بجامعة لينينغراد ا لدكتورة آنا أركاديفنا دالينينا بتحليل ترجمة سليم قبعين لقصة تولستوي "لحن كريتسر"، وذلك في مقالة نشرتها تحت عنوان "الترجمة العربية لقصة "لحن كريتسر"، وأثبتت في مقالتها بأن سليم قبعين قد أجرى قاصداً ومتعمداً تغييرات كثيرة في نص القصة. فكما هو معروف فإن الفكرة الأساسية في قصة "لحن كريتسر" هي بأن المثال المسيحي هو إقامة ملكوت اللّه على الأرض، وأن العفة أحد الشروط الأساسية في هذا الملكوت. فعلى الإنسان كبح شهواته الجنسية. ويرى بوزنيشوف -بطل القصة- أن هدف وجود الإنسان على الأرض هو زرع الخير. وهناك قانون لتحقيق هذا الهدف، ويتلخص بوحدة البشر، وأن الدافع الجنسي هو الذي يفرق ويبعد الناس بعضهم عن بعض، فهو من أقوى الدوافع الإنسانية، فهو من أقوى الشهوات التي تفرق وحدة الجنس البشري.

أما سليم قبعين فإنه يغير الفكرة المذكورة سابقاً بالشكل التالي:".... هدف الإنسانية هو الخير ومن أجل تحقيق هذا الهدف هناك تعاليم وسلوك معين يقود الإنسان إلى السعادة، وأما الابتعاد عن هذه القوانين فيؤدي إلى العبودية"....(127- ص120) . فلقد حول سليم قبعين "لحن كريتسر".. بصورة عقلانية بما يتناسب ومسائل العصر. فبدل وعظ تولستوي حول العفة إلى نداء لتحرير المرأة الذي كان المشرق العربي بأمس الحاجة إليه. يبدل سليم قبعين حتى عنوان القصة فأصبحت عنده "الوفاق والطلاق أو لحن كريتسر"، فلذلك يقترح بطل القصة بالترجمة العربية أن تصبح المرأة صديقاً وعوناً للرجل بدلاً من أن تبقى مادة لملذاته وشهواته. وهذه المثل ما هي إلا صدى لآراء قاسم أمين الذي كان يعمل مستشاراً بمحكمة الاستئناف والذي اهتم بموضوع تحرير المرأة العربية. ورأى قاسم أمين أن الدين الإسلامي لا يلزمنا التشديد في الحجاب، ويكتب قاسم أمين في كتابه "المرأة الجديدة": "فإذا أراد المصريون أن يصلحوا أحوالهم فعليهم أن يبدأوا الإصلاح من أوله. يجب عليهم أن يعتقدوا بأن لا رجاء في أن يكونوا أمة حية ذات شأن بين الأمم الراقية.... قبل أن تكون بيوتهم وعائلتهم وسطاً صالحاً لإعداد رجال متصفين بتلك الصفات التي يتوقف عليها النجاح. ولا رجاء في أن تصير البيوت والعائلات ذلك الوسط الصالح إلا إذا تربت النساء، وشاركن الرجال في أفكارهم وآمالهم وآلامهم، إن لم يشاركنهم في جميع أعمالهم"(3 ص125) . تقارن آنّا اركاديفنا دالينينا بين الأفكار والاستنتاجات التي يصل إليها كل من بطل "لحن كريتسر" في الأصل وبطل "لحن كريتسر" في الترجمة. يقول بوزنيشوف في النص الروسي: "عرضت القضية على المحكمة كما يلي: كل ماحدث، حدث بسبب الغيرة، ولكن هذا ليس صحيحاً. فلقد أقرت المحكمة بأنني زوج مخدوع، وأنني قتلت دفاعاً عن شرفي المدنس ولذلك برأت المحكمة تصرفي، وحاولت في جلسة المحكمة أن أشرح معنى القضية، ولكنهم فهموا أنني أرغب في رد اعتبار شرف زوجتي.

فعلاقة زوجتي بهذا الموسيقي، مهما كان نوعها، لامعنى لها بالنسبة لي، وبالنسبة لها أيضاً.... فلو لم تكن حجة الغيرة لكانت هناك حجة أخرى. إنني أصر وأنا متأكد في أنّ كلّ الأزواج، الذين يعيشون كما أعيش، ينبغي إما أن يمارسوا الزنى، وإما أن يطلقوا زوجاتهم، وإما أن ينتحروا، أو أن يقتلوا زوجاتهم، كما فعلت".(103 ص 49 -50) أيّ أنّ تولستوي ينتقد المجتمع الذي يؤدي بأفراده إلى حالات معينة يضطر فيها الفرد إلى ارتكاب جريمة القتل أو الزنى، بطل قصة تولستوي يلوم نفسه ويلوم القضاء الذي برر جريمته في حين أن بطل القصة في الترجمة العربية لا يلوم نفسه وإنّما يطلب من الآخرين تبرئته، كما برأته المحكمة، لأنّه في نظر القضاء قام بجريمة القتل دفاعاً عن شرفه المدنس. وترى المستشرقة آنّا أركاديفنا دالينينا:"نهاية الترجمة العربية تبتعد عن نهاية النص الروسي (180) درجة أي تصير عكسها تماماً... وهكذا أمامنا "لحن كريتسر"، رأسها إلى الأسفل وقدماها إلى الأعلى"، (127 ص123) . إن قصة "لحن كريتسر" باللغة العربية تهدف إلى تحرير المرأة والتجاوب مع صرخة أطلقها في المجتمع العربي قاسم أمين، ولذلك كتب سليم قبعين في قصته المترجمة: ".... يجب على المرأة أن لا تخدع زوجها ولا تغشه مطلقاً كما يجب على الرجل أيضاً الانتباه التام لئلا يكون مخدوعاً من امرأته"(5-ص22) .

يفضح بطل قصة تولستوي الأسر الطفيلية حيث ينظرون إلى المرأة كما ينظرون إلى أداة للملذات الجسدية. وبهذا فإنّ تولستوي ينادي المجتمع بالرجوع إلى المبادئ المسيحية.



وإلى وصية السيّد المسيح الذي قال:

"من نظر إلى امرأة واشتهاها فقد زنى بها بقلبه". أي أن تولستوي ينادي بالعفة والطهارة، كما نادى من قبله السيد المسيح. يقوم تولستوي على حد تعبير فلاديمير ايليتش لينين "بتنديد عفوي وصادق وقوي بصورة لا مثيل لها بالكذب والدجل الاجتماعي"(165-ص209) .

بطل قصة "لحن كريتسر" التي ترجمها سليم قبعين يدافع عن الأسرة. لا يتصف بوزنيشف بالشهوات الحيوانية التي كان يكرهها تولستوي. يتحمل مسؤولية الفساد، بنظر سليم قبعين، كل من الرجال والنساء ولا يتصرف الزوج في الترجمة العربية بصورة حيوانية كما يتصرف في الأصل الروسي. إن ترجمة قصة "لحن كريتسر" ضرورية بالنسبة لسليم قبعين من أجل حل مشكلة الأسرة والزواج والطلاق في الشرق، أيّ أن الترجمة كانت تهدف لتحقيق أهداف عملية. ولا بأس من الإشارة إلى أن الدكتور طه حسين كتب في تشرين الثاني من عام 1924 مقالاً عن قصة ليف تولستوي "لحن كريتسر"، وذلك لأنّه شاهدها بشكل تمثيلية في أحد مسارح باريس، وقد أعدها للمسرح كاتبان فرنسيان هما فرنان نوزير، والفريد سافوار، ويبدو أن الدكتور طه حسين كان يرتاد المسرح الفرنسي في باريس، على الرغم من أنّه كفيف، كما هو معروف، إلا أنّ أحداً كان يساعده.

يكتب الدكتور طه حسين:"موضوع هذه القصة الغيرة الزوجية أو قل موضوعها الزواج السيء، أو قل إن موضوعها الألم الذي تشعر به امرأة رقيقة، دقيقة الحس، لم يفهمها زوجها، أو قل إن هذا كلّه هو موضوع هذه القصة. فأنت تجد فيها تمثيلاً متقناً للزوج الغيران، قد عذبته الغيرة أشد العذاب، وكلفته ألواناً من الألم...."(20-ص287) .

تجري أحداث القصة في مدينة بطرسبورج - عاصمة روسيا القيصرية في بيت رجل غني، واسع الثروة، متوسط العمر، لم يكد يبلغ الأربعين، اسمه بوزنيشف متزوج من فتاة لا يزيد عمرها عن ثمانية عشر عاماً. وأحبت الزوجة موسيقياً، عزف في بيتها، "لحن كريتسر" اسمه تروكاسنسكي، وأنجبت طفلين، ولقد اتهمها زوجها بالخيانة وخنقها.

يسرد الدكتور طه حسين أحداث القصة، لكنه يفهم أن تولستوي يندد بالغيرة، في حين أن تولستوي يندد بالخيانة الزوجية ويدعو إلى الإخلاص والعفة ولقد عالج هذا الموضوع في قصته "السعادة الزوجية"، وفي روايته آنّا كارينينا"(1873-1877) .

بعد مرور عام واحد على صدور رواية "لحن كرتيسر" التي نشرها ليف تولستوي في عام 1889، وترجمها من اللغة الروسية إلى اللغة العربية مباشرة سليم قبعين في عام 1903 في القاهرة. قام المترجم المذكور في عام 1904 بنقل كتاب ليف تولستوي "إنجيل تولستوي وديانته" من اللغة الروسية إلى اللغة العربية ويكتب في مقدمة الكتاب أن تولستوي أصبح مشهوراً في الكرة الأرضية كلها، حتى أن بعض أعماله تصدر في العام الواحد أكثر من خمس مرات. ويتضمن الكتاب آراء تولستوي في الدين المسيحي، وفي الإنجيل ويكتب تولستوي في الكتاب المذكور.

1 - إن الإنسان هو ابن الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية أو بعبارة أخرى ابن اللّه بالروح وليس بالجسد.

2 - ولذلك يتحتم على الإنسان أن يخدم ذلك الأزلي بالروح فقط.

3 - أصل حياة جميع البشر صادر من عند اللّه ولذلك فإنّ هذه الحياة مقدسة طاهرة.

4 - إرادة أبي البشر تنحصر في أنّه ينبغي على الإنسان أن يخدم جميع الناس لأن حياته وحياتهم مأخوذة من أصل واحد"(6 ص28) .

ويرى تولستوي أن الحياة الجسدية ماهي إلا طعام للحياة الروحية أو مواد مادية لها. ويرى تولستوي أن المسيح لم يكتب شيئاً مثله مثل سقراط، إلا أنّ سقراط كان يعلم تلاميذ متنورين في حين أنّ السيد المسيح كان يعلم الشعب البسيط.

وفي عام 1909 ترجم سليم قبعين من اللغة الروسية إلى اللغة العربية أسطورة تولستوي "تهديم الجحيم وإعادة بنائه" وأعاد نشرها مرة "ثانية" في عام 1926. وكان في ذلك الوقت يصدر مجلة "الإخاء" التي كانت تستقي موادها من المصادر الروسية.

ويكتب في مقدمة الطبعة الثانية للأسطورة المذكورة:

"وتولستوي فيلسوف قولاً وفعلاً فإنه زهد بهذه الدنيا الباطلة وتنازل عن جميع ممتلكاته الواسعة وأراضيه الشاسعة واكتفى منها بمنزل تحيطه حديقة وقطعة أرض يستغلها بنفسه ويقضي سحابة يومه في الاشتغال بها ليستثمرها ويتقوت من محصولها وعدا ذلك فإنه يخيط ملابسه وحذاءه لأن من رأيه أنه يتحتم على الناس أن يداوموا على الشغل الذي هو الوسيلة الوحيدة التي تبعدهم عن الشر وارتكاب الموبقات". (7ص 3-4) . وفي هذه الأسطورة يندد تولستوي بالحكام ويتهمهم بالسرقة والنهب وسفك الدماء وبأنهم يسيرون بمشيئة الشيطان وليس بمشيئة اللّه. فقلوبهم مليئة بالكبرياء والانتقام والبغضاء والكنيسة تدعم الحكام وتقف ضد الشعب البسيط وضد كل من يطلق صرخة الحق. ففي هذه الأسطورة هناك رئيس للشياطين ينفذ أوامره كل من الشياطين الذين يثيرون الحروب بين الناس والذين يعملون على قتل النفوس وعلى النهب وعلى نشر الإيمان بالخرافات بدل الإيمان بالتعاليم الواضحة البسيطة. وهكذا فإن سليم قبعين عندما قام بترجمة "لحن كريتسر" حاول أن يستغل القصة المذكورة من أجل تحرير المرأة العربية. أمّا عندما قام بترجمة "هدم مملكة جهنم وتجديدها "فإن هذه الترجمة كانت هدفاً بحد ذاتها وليست وسيلة لغاية أخرى، أي أن سليم قبعين هدف من ترجمة الأسطورة المذكورة إلى نشر آراء تولستوي. ولذلك فإن سليم قبعين حافظ في ترجمته للأسطورة المذكورة على الآراء الأساسية فيها.

ولقد ذكر المستشرق أ.ي. شيفمن الذي كان يعمل في متحف تولستوي الأدبي في كتابه "تولستوي والشرق" أن سليم قبعين قام بترجمة مسرحية ليف تولستوي "سلطة الظلمة" من اللغة الروسية إلى اللغة العربية. وذلك في عام (1909) (139 ص392) .

وفي عام 1912 ترجم سليم قبعين كتاب ليف تولستوي "حِكم النبي محمد". والكتاب أصلاً هو ترجمة لأحاديث نبوية كما يظهر عنوانه، ترجمها تولستوي من اللغة الإنكليزية إلى اللغة الروسية عن كتاب ألفه عبد الله السهروردي. ومن أقوال النبي العربي الكريم التي اختارها تولستوي: "قل الحق وإن كان مرا".

(لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه) . "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". ويكتب تولستوي في الكتاب المذكور:"ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً كان من عظام الرجال المصلحين"(8 ص58) .

يذكر "كتاب أعمال تولستوي الإبداعية التي ترجمت إلى اللغات الأجنبية"، وفي فصل بعنوان "العناوين الغامضة"، أن سليم قبعين نقل إلى اللغة العربية في القاهرة في عام 1926 مقالة تحمل عنوان "الخمر" وهي عبارة عن مقالة نشرها تولستوي في عام (1890) وذلك لاستنكاره تعاطي المشروبات الكحولية (170-ص492) .

وهكذا فإن سليم قبعين أول من ترجم تولستوي إلى اللغة العربية مباشرة من اللغة الروسية. وكان غزير الإنتاج، ومخلصاً لمبادئ تولستوي ومعروفاً في الأوساط الأدبية والثقافية والعلمية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taghzout.mam9.com
 
النقد العربي بداية ق20 حول تولستوي- الجزء الثاني -
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير :: دراسات أدبية :: تولسـتوي ودوســتيفسكي فـي الأدب العربـيّ-
انتقل الى: