تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير

تغزوت لقاء الأشقاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الاغتراب في الشعر العراقي - استلهام التراث -

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 103
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: الاغتراب في الشعر العراقي - استلهام التراث -   الإثنين يونيو 23, 2008 9:59 am

استلهام التراث:
دأب الشعراء عموماً، وبعض الشعراء الرواد خصوصاً، على استلهام التراث الإنساني والعربي والإسلامي، لا سيما منه ذلك الذي ينضح بطولات وأمجاداً، ولا شك في أن للتاريخ والبطولات سحراً خاصاً: عند الشاعر إذ يحقق من خلال التغني به كثيراً من طموحه الذي يعجز عن بلوغه في مجتمعه، ولحظته الحاضرة))،[1]) ويصدق القول على الشعراء المغتربين الذين ربما استدعوا قصص التراث، وبطولاته هرباً من الاغتراب الذي يقيد حاضرهم، وبذلك يوازنون بين ماض مكتنز بالمآثر، أي ماضٍ لا مغترب، وبين حاضرٍ حافل بالمآسي، أي حاضر مغترب.

ففي قصيدة في المغرب العربي)) ينتصر السياب للرموز العربية المقدسة التي أساء إليها الغزاة، ونالوا من قدسيتها، ويُفاجأ حين يُبعث من قبره فلا يرى من أمجاد الأمة غير آجرّة حمراء، وصحراء موحشة، ومئذنة معفرة.[2])

ولكنه يستعيد معركة ذي قار كإحدى ملاحم العرب الخالدة التي تشخص الآن في ذاكرة الشاعر، فيستعين باستدعائها على اغترابه الحاضر. يقول:

إله الكعبة الجبارْ

تدرّع أمس في ذي قارْ

بدرع من دم النعمان في حافاتها آثارْ

إله محمد وإله آبائي من العربِ[3])

ولا يقف الشاعر عند المعركة التاريخية وإنما يربط رمزها بحالتين معاصرتين: حالة ثورة ونهوض في إقليم عربي، وحالة تداعٍ وبكاء في إقليم آخر، فذلك الرمز كما يقول الشاعر:

تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوارْ

وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دارْ[4])

وينتهي الشاعر إلى أن الغزاة يثأرون اليوم منا لماضٍ كنا فيه سادتهم.

وفي قصيدة ثلاث أغنيات عربية)) تتخذ نازك الملائكة من النسر المطعون)) رمزاً للإنسان العربي، فهو طائر ظله إلهي)) قام بين النخيل السامق، و الصحارى المحرقات والرمال)). وقد بسط جناحيه من الخليج إلى المحيط:[5]) تقول عنه الشاعرة:

في كبرياء الريش تحيا ذرى



وأعصرٌ يقظى، ومجدٌ عريقْ



أقام فوق الأرض لا يرتقي



نحو الأعالي في الفضاء الطليقْ



واللانهايات تنادي وفي



ندائها همسُ الخلود العميقْ[6])




وعلى الرغم من الكبوة التي عاناها هذا العملاق حين أغمدوا في قلبه رمحاً يسمى إسرائيل) إلا أن الشاعرة تتفاءل بقرب الخلاص. والشاعرة وهي تستحضر أمجاد العرب الغابرة في مواجهة الحاضر المنهار فإنما تلوذ بذلك الماضي من اغترابها الحاضر، فربما كانت تجسد في بطولات الأمة الغابرة ما يشبع تطلعها إلى المثل العليا، والقيم الرفيعة التي طالما سعت إليها، وتغربت في ذاتها من أجلها.

أما البياتي فقد استلهم التراث من زاوية أخرى، جانبت التغني بالأمجاد، والبطولات، وركّز فيها على طبيعة النموذج المستلْهَم والصفات المشتركة بينهما، عبر ما يسمى بالقناع.

فقد قدم عدة شخصيات تراثية كالحلاج ومحيي الدين بن عربي، والمتنبي، والمعري، والخيام، وديك الجن، والإسكندر، وغيرهم في محاولة لاستبطان مشاعرهم كأبطال نموذجيين قصد التعبير عن النهائي واللانهائي، وعن المحنة الاجتماعية والكونية التي واجهوها، في سعي فني وإنساني لتخطي ماهو كائن إلى ما سيكون))[7]) عبر ما أسماه بـ نظرية الحلول الثوري) التي تمنح هذه الشخصيات نوعاً من المعاصرة)).[8])

وقد اختار أبطاله النموذجيين من الشخصيات الثورية في التاريخ التي تمثل العاشق أو المتمرد الثوري)).[9]) والبياتي من خلال هؤلاء لا يعبر عن أزمته الذاتية بل عن أزمة وجودية وإنسانية عامة خاضها البطل النموذجي من أجل الحياة ضد قوى الموت والشر، ومن خلال المسيرة الإنسانية المركّبة، فإن نماذج الصراعات التي خاضتها تلك الرموز التاريخية قد تتجدد بصورة أو بأخرى في العصر الراهن، وما على الشاعر الذي هو صوت الجماعة إلا أن يلم بأطراف وجوهر هذا الصراع ويطرحها بموضوعية عبر رؤيا كونية دونما إسقاطات ذاتية. ولأن الشاعر منسحق -باستمرار- أمام المصائر الفردية المفجعة لرموز الفكر والثورة المعاصرة، ومأزوم أمام خيبات الثورة على المستويين العربي والكوني، ولأنه، ثانياً، مأخوذ -بسبب تلك الهزائم- باغترابه المزدوج، ولأنه، ثالثاً، لما يزل ثورياً في الثورة، فإنه استمد عبر هذه النماذج/ الأقنعة الأمل، والتفاؤل، والإصرار، ولكن مع الإقرار بالخيبات والمصائر المأساوية. ففي موت المتنبي)) يقول الشاعر على الرغم من نهاية المتنبي على يد قاتليه:

أرى بعين الغيب يا حضارة السقوط والضياعْ

حوافر الخيول والضباعْ

تأكل هذه الجيف اللعينةْ

تكتسح المدينةْ

تبيد نسل العار والهزيمةْ

وصانعي الجريمة[10])

وفي محنة أبي العلاء)) يخاطب الشاعرَ التراثي الطغاةَ قائلاً:

فعصركم مضى إلى الأبدْ

ولم تعودوا غير أشباح بلا قبور[11]).

وفي عذاب الحلاج)) نسمعه يتحدث نيابة عن الشاعر، وعن الجماعة:

موعدنا الحشر، فلا تداعبي قيثارة الجسدْ

أوصال جسمي أصبحت سمادْ

في غابة الرمادْ

ستكبر الغابة يا معانقي

وعاشقي

ستكبر الأشجار

سنلتقي بعد غد في هيكل الأنوار[12]).

إن حياة هؤلاء الأبطال التي انتهت بالقتل المتنبي)، والموت بسبب الإحباط ربما المعري) والصلب الحلاج) بقدر ما توحي للشاعر باليأس، والإحساس بالمرارة واستمرار المحنة، فهي تمنحه القوة لمواجهة الشر، من جهة ويحاول من خلالها تهدئة عناصر اغترابه وتخفيف وطأتها، وجعلها نقطة انطلاق وكفاح له لا حاجزاً يحول بينه وبين المضي إلى أمام من جهة أخرى.



صيغ تعويضية أخرى
وجد الباحث صيغاً تعويضية أخرى استخدمها الشعراء الرواد بالإضافة إلى الصيغ المشتركة التي مر ذكرها. فقد كانت صيغة السياب التشبث بالحياة، وكانت صيغة نازك عودتها إلى الإيمان، اتخذ البياتي من تحوله إلى الثوري اللاملتزم صيغته المضافة، إما بلند الحيدري فقد كانت صيغته: المجون والصعلكة.

السياب والتشبث بالحياة:
لم يتعرض شاعر عربي معاصر لمحنة الجسد المريض كالسياب باستثناء الشاعر صلاح عبد الصبور الذي انصرف أواخر أيامه إلى شعر الحزن بكيان واهن وجسم معطوب))،[13]) والشاعرة نازك الملائكة التي تعاني من مرض عضال منذ عامين[14]) أبعدها عن الشعر كثيراً. وقد وضع المرض السيّاب وجهاً لوجه أمام الموت ولكن الحياة لم تغب عنه، لأن الموت والحياة عنده وجهان لقضية الإنسان في هذا الوجود، وقد يندر أن تجد بين شعراء العربية من أدرك بمثل نفاذه كمون الموت في الحياة، وكمون الحياة في الموت)).[15])

وبقدر ما كان صراخه بوجه الموت خوفاً منه، بقدر ما كان في الوقت نفسه حباً في الحياة، وشفقة عليها، ونحسب أن لو كان غير السياب في هذا الموضع لآثر الصمت مرغماً تحت طائلة المرض، ولكنّ الشاعر وعى غزارة الحياة))،[16]) وجعل من المرض تجربته الخصبة التي لا تنضب. ومع كل شراسة مرضه، ويأسه من الشفاء فقد كان متفائلاً، اسمعه يقول:

إيه إقبال، لا تيأسي من رجوعي

هاتفاً، قبل أن أقرع الباب، عاد

عازر من بلاد الدجى والدموع[17])

وكما ألح عليه المرض بسكاكينه تقرَّب إلى الله، فلم يجدِّفْ، ولم يهتز إيمانه بل أوصل العلاقة إلى مستواها المثالي بين الإنسان والإله))[18]) وهكذا، وخلافاً لما درج عليه المعذبون، المسحوقون من ركوب الشك، والتنكر للسماء، فإن المرض عند السياب ارتفع بالعلاقة مع السماء عن مستواها الاعتيادي وإن لم يبلغ بها مرتبة التصوف، يقول الشاعر:

لك الحمد مهما استطال البلاءْ

ومهما استبد الألمْ

لك الحمد إن الرزايا عطاءْ

وإن المصيبات بعض الكرمْ[19])

ومع أن السياب عاش قساوة العصر، بروح مرحة، وجلد أيوبي كبير، إلا أنه ارتفع بحزنه -أحياناً- إلى مستوى التضحية، وبذلك عانق اغترابه بندية، ولم يسمح له أن يجرده من كل عناصر الحياة والمقاومة، يقول:

قالوا له والداء من ذا رماه

في جسمك الواهي ومن ثبتّهْ؟))

قال: هو التكفير عما جناه

قابيل والشاري سدى جنّتَهْ))[20]).

كما بقي مسيطراً على آلته الشعرية، فعلى الرغم من اضطراب ذاكرته أحياناً غير أنه في قصائده لم يحد عن الخط الذي كان قد وضعه لنفسه ولم يخُنْهُ قط صفاء ذهنه حتى النهاية))[21]) وليس أدل على ذلك من شعره الذي حافظ على أوزانه سليمة، عدا بعض القصائد[22]). وهكذا تشبّث السياب بالحياة من خلال التصاقه بالشعر، وأحلامه في الشفاء، ومقاومته المرض مقاومة الفادي الأمر الذي يعني في المحصلة الأخيرة مواجهته الاغتراب والتقليل من آثاره السلبية.

نازك والعودة إلى الإيمان:
كانت عزلة نازك شبه مطلقة وهي أقرب ما تكون إلى الانطواء على الذات، وربما كانت على وفق هذا التوصيف مرادفه للجحيم وللعدم))[23]) فقد كانت مستغرقة في نفسها دون أنْ تجد لها مخرجاً أو مهرباً... لأن الموضوع هو العقبة الرئيسية في سبيل انتقال الذات من وجودها الداخلي واتصالها الروحي بذات أخرى[24]): وقد توسّلت بالهرب إلى الطفولة والماضي مرة، وبالبحث عن يوتوبيا خاصة بها مرة أخرى دون جدوى، فما هو السبيل إلى تجاوز هذا الاغتراب المغلق؟ يبقى ثمة العامل الإلهي هو وحده الذي يستطيع أن ينتصر على العزلة... والله لا يمكن أبداً أن يكون موضوعاً))[25]).

وقد لاحظ الباحث أن ثمة تحولاً في موقف الشاعرة من خلال قصائدها في رثاء أمها فعلى الرغم من الخطب الفادح وما قد يسببه من ألم لا متناه للشاعرة إلا أنها لم تجد لألمها منفذاً آخر غير أن تحبه وتغني له،[26]) فجاءت مراثيها الثلاث احتفاءاً رقيقاً بغلام مرهف سابح في بحر أريح))[27]) خلافاً لمعجم الشاعرة المعروف. ويبدو أن هذا التحول جاء متزامناً مع بداية عودتها إلى الإيمان وربما كان ممهداً له.[28]) ولا شك في أن الإيمان سيصلها بالمطلق الذي طالما بحثت عنه وأخطأت الطريق إليه، وسيضيء بعض جوانب روحها، وستجد من خلاله نوافذ جديدة للاتصال بالآخرين على أنه سيكون عاملاً مخففاً لا منقذاً، وإذا كانت فيما مضى تستعين بالشك، والرفض على ارتياد المجهول ومصارعة الآلام، فإنها الآن

باسم الله تخوض صراعها مع الأحزان والدموع والأساطير والظلمات))[29]) تقول الشاعرة:

باسمك باسمك باسمك باسمك

يا ضوئي يا عطري يا مجدي يا نجمي

يا أمواج انشقي انشقي

عن ساحرة وعروس بحورْ

تمسح جرحي ودموعي

تضمن أنْ أعبر كالبرقِ

للشاطئ حيث حصاد نجومي وزروعي[30])

وإذا كان صحيحاً أن الماجنين حين يزهدون يصير شعرهم قيثارة تندب بأوتار الندم والخوف))[31]) فإن الملحدين إذا ما استيقظ فيهم الإيمان سيعودون إلى الله ضارعين بقلوب خاشعة، ونفوس متبتّلة، وهذا هو حال الشاعرة بعد سنين من القلق، والحيرة والتيه تعود إلى حبيبها ومليكها، تقول:

حبُّهُ حبُّ مليكي رحلة في اللانهاية

وجهُهُ يستغرق الكون، ومن آفاقِهِ تبدأ لي كلُّ بداية[32]).

إنّه الوجد الصوفي والوجد حالة من الصفاء الروحي يستغرق فيه الصوفي عن حواسه)).[33])وقد لحظ الباحث أن معجمها الشعري ما يزال حافلاً بألفاظ الغربة مثل الغيبوبة، والتيه، ولج البحور، والخفايا، والمضيّع، والاغتراب، وما تزال قصائدها تنضح غربة على الرغم مما فيها من عذوبة الوجد، وعظم المجاهدة تقول مثلاً:

أهيم مضيّعةً في شعاب القصيدةِ عبر شوارعْ

وأضرب في سككٍ ومزارعْ

تفاصيلْ وجهِك مختومة بالضبابْ

وروحيَ مختومة بالمدامعْ

محجّبةٌ في سواد براقعْ

وقلبي اغترابْ[34])

ويرى الباحث أن عودتها إلى الإيمان خفّت من حدة اغترابها، ولم تنفِهِ، فقد دخلت في أقنوم التصوف والزهد إلى حد ما، والزاهد والمتصوف غريب في عصره، غريب بعزلته وتفكيره، غريب بروحه التي تبغي الانعتاق)).[35])

البياتي وصيغة الثوري اللامنتمي:
ما كان للبياتي ليستمر في ثوب الثوري المنتمي، وهو الذي يعيش المتغيرات الفكرية في الغرب، طامحاً إلى أن يكون شاعراً كونياً. وربما أدرك بحسه أن صيغة الثوري المنتمي كانت أحد عناصر اغترابه وأن الانسلاخ عنها سيكون عامل تخفيف لغربته من جهة، وإشارةَ مرور في الطريق الكوني)) الذي ربما لم يكن سالكاً أمام الثورية المنتمية)) من جهةٍ أخرى ولعلّه عانى من ذلك الانتماء الأمر الذي جعله يصرخ.

قدمت أوراق انتسابي لرسول الربْ

وقوميسار الشعبْ

من أجل أن تشرق شمس اللهْ

على الغد المسكون بالخوف والأشباحْ

لكنه سلمني لغرف التعذيب والسجون والبوليسْ

والنفي والتشريد[36])

وهكذا امتلك بعضاً من حريته، و استرد وجهه العربي))[37]) وشرع ينشد للوطن العربي. على أن تحول الشاعر إلى مرحلته الجديدة لا يعني خلاصة من اغترابه، وإنما يعني أنه فتح فضاءً له في سماء غربته، خفّف عنه وطأتها، وسمح له بالتنفس، لمعاينة مآسٍ جديدة يعيشها الإنسان، يقول:

رأيت يا حبيبتي كل طغاةِ العالم القديمْ

لكنني أكتشفُ الآن طغاةَ العالمِ الجديْد[38])

وعلى الرغم من هذه المآسي التي تستدعي الإحباط والحزن، فإن الشاعر يظل متفائلاً، بغد الخلاص، يقول:

ثانية سيقبل المخلص المسيح

.............

ها أنذا أراه في الغيبِ وفي بوّابة المستقبلِ البعيدْ[39])

وهكذا يصبح البياتي اللامنتمي أقدر على مواصلة حياته في المنفى، فقد أعانه وضعه الجديد على ارتياد التراث الإنساني، شخصياتٍ ومدناً وحضارات، ينتقي منه أبطاله النموذجيين، متخذاً من هزائمهم وانتصاراتهم بؤراً عصرية يطل منها على الكون من جهة، ويشاغل غربته عبر ما يستخدمه من وسائل فنية تعادل اغترابه من جهة أخرى. ولولا هذه الصيغة ما استمر حياة الغربة كل هذه السنين وهو بعد معافى الجسد والروح والقلب.

بلند ومرحلة المجون والصعلكة:
لم يكن دخول بلند عالم المجون والصعلكة اختيارياً ربما، وإنما كان انسياقاً لا شعورياً وجد الشاعر فيه نفسه بعد أن تلبسته الغربة النفسية الحادة، ولم يجد في طفولته وماضيه ما يتقي به جحيم عزلته. فقد اندفع بلند الإنسان مع بلند الشاعر الماجن، فتشرد مع حسين مردان وترك المدرسة، وعاقر النوم في الشوارع، في انبساطية خارجية)) ربما كانت مفتعلة للتمويه على الانطوائية الداخلية)) التي جُبِل عليها[40]) وكأنه أراد بذلك الثأر من المجتمع الذي اعتزله، من خلال التمرد على منظومته الأخلاقية، من جهة، والتعويض عن شبابه اليافع المهدور بالاستغراق في العبث والمجون، من جهة أخرى، يقول:

نزت الأنام في عمري فثوري



وارقصي نشوى على قلبي الكسيرِ



مضغَ الحزنُ شبابي يافعا



فامضغي بالشهوةِ القصوى مصيري[41])




وليقينه بأن حياته اغتراب في اغتراب، فقد قاده ذلك إلى تحدّي الرمز المقدس، والقيمة العليا فلم يعد يهوى جلة الله))، أو يخشى السعير الخالد))،[42]) واتخذ من أبي نواس مثله الأعلى ورفيقه الدائم في ليالي المتعة والأنس، يقول:

يا أبا نواس قمْ حيّ الدجى



حانة الأرواح واجمع شملنا[43])




ولأنه يعيش إحباطاً عاطفياً بسبب غياب المرأة التي تبادله الحب، فقد راح يطأ الإثم في بيوت الإثم، مدركاً أن غضبه العاتي على المجتمع يساوي شهوته العاتية))، وأنه لا سبيل إلى إطفائها، يقول:

في ليلة صور فيها القدرْ

ملاعبَ الرياح والمطرْ

والليل قد لاذ بأردانِهِ

وكللّتْ دنياهُ شتى صور

سيّرني الشوق إلى عالم



منعزل ينفث إثماً وشرّ



لمنزل غاف بكف الدجى



إلا سنىً يخاف أنْ يستترْ



هذا جحيم مزبد بالخنى



فكيف يطفي شهوتي العاتيةْ[44])




إن هذه الوسيلة الماجنة التي توسل بها الشاعر -من دون وعي ربما- قد تساعده على مواجهة عزلته، ومقاومة غربته ولكن لمدة زمنية قصيرة هي ما تستغرقه تلك الممارسات المحمومة لأنها من صنع إنسان اعتزل مجتمعه، وفقد الثقة به، ولم يجد فيما امتهنه غير لذة قشرية خادعة، هي اللذة المرة التي كانت وستظل من نصيب ذوي الإحساس المرهف، والعقل اليقظ، والنفس الغريبة.

هكذا حاول الشعراء أن يسلكوا نهجاً تعويضياً بقُدرة خيال تعويضي، تعبيراً عن عالم مفزع. كما يقول كولن ولسون،[45]) وربما حالف الحظ بعضهم، وربما خانهم جميعاً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taghzout.mam9.com
 
الاغتراب في الشعر العراقي - استلهام التراث -
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير :: الشعر العربي و المغاربي :: الشعر في البلاد العربية-
انتقل الى: