تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير

تغزوت لقاء الأشقاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الاغتراب في الشعر العراقي - الاغتراب الروحي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 103
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: الاغتراب في الشعر العراقي - الاغتراب الروحي   الإثنين يونيو 23, 2008 9:56 am

الاغتراب الروحي:
-1-
يقصد الباحث بالاغتراب الروحي تلك الحالة التي يشعر فيها، الفرد بانفصاله من ظرف إنساني مثالي))[80]) فيتطلّع -تبعاً لذلك- إلى الانعتاق من العالم المحيط به إلى عالم من صنع نفسه)).[81]) ويرى الباحث أن هذا الاغتراب هو نتاج تراكم عدة أنواع اغترابية كالاجتماعي والعاطفي وسواهما، إذ أن تعاقب الإخفاقات والإحباطات تؤدي بالإنسان إلى اعتزال واقعه اعتزالاً كلياً أو شبه كلي، وسعيه إلى بلوغ واقع آخر لا وجود له إلا في تصوره. وهذا الاغتراب أشبه ما يكون بغربة الهمة لدى العازف التي أطلق عليها الهروي الأنصاري اسم غربة الغربة))[82]).

-2-
فقد عانت نازك الملائكة من الاغتراب الروحي بعد أن اعتزلت المجتمع الاغتراب الاجتماعي)، وأخفقت في تجربتها العاطفية الاغتراب العاطفي)، فعشقت الليل، وزهدت في الحياة، واهتز إيمانها، وها هي الآن تبحث عن المُثُل العليا، بعد أنْ رأت الحياة جدراناً صلدة من الزيف، والتفاهة، فتحاول أن تخترقها إلى بؤرة من الإشعاع القدسي، لتنعم بالنقاء، والسمو، وتعانق روحها ذلك الصفاء السرمدي الخالد، حتى إذا أجهدها البحث صاحت:

وعفت طموحي وبحثي الطويلْ

عن الخير، والحب، والمُثُل العاليةْ

وحَقّرْتُ سعيي إلى عالمٍ مستحيلْ[83])

وإذ يتفاعل في نفسها الإحساس بالغربة مع يأسها من بلوغ عالمها المثالي، تتملكها الحيرة، فتستدير نحو ذاتها متساءلة متشككة:

تعذبني حيرتي في الوجود



وأصرخ من ألمي: من أنا[84])




وهذا السؤال الفلسفي هو وليد الإحساس بالضياع ولكنه في الوقت نفسه نتاج تضخم الذات التي انسلخت بنقائها عن الطقس الفاسد الملوث، تقول الشاعرة:

الليل يسأل من أنا:

أنا سرُّه القلق العميق الأسودُ

أنا صمته المتمرّدُ[85])

وتستطرد في سلسلة من الصور الميتافيزيقية فهي مثل الليل جبارة)) تطوي العصور، وتنشرها، وتخلق الماضي من فتنة الأمل))[86]) في محاولة للارتفاع على ألم الحقيقة، وبلوغ راحة الحلم.

لقد شحذ اغترابها الروحي وعيها اليقظ إلى الحد الذي آذاها واستعبدها، وإذا كان من المطالب الرئيسية للوعي أن ينشد الوحدة)) على حد تعبير روبير دوبليه[87])، فإنّ المفترض أن توجد مع الوحدة الشفافية والسعادة))[88]) ولكن نازك التي فاضت غربتها عن مستواها الأقصى تخرج عن إطار التمرد الإيجابي إلى ما هو أبعد من ذلك. فها هي ذكرياتها وأحزانها القديمة والتي تشكَّلَ منها ثقلُ اغترابها، تطاردها من مكان إلى آخر: فهي مرة عنفوان يملأ الدروب والمروج ويقتفي خطواتها[89])، وهو مرة، سمكة تتعملق لتصبح حيواناً خرافياً، تقول:

ومشينا لكنّ الحركةْ

ظلت تتبعنا، والسمكةْ

تكبر تكبر حتى عادتْ في حضن الموجة كالعملاقْ[90])

وهي مرة سعلاة[91])، ولا شك في أن تصوراتها المخيفة هذه وليدة غربتها الروحية التي عزلتها جسداً وروحاً عما حولها وعمن حولها، ولكنها -التصورات- إحدى علامات يقظة فكرها الحيوي الطامح إلى أن يتساوى مع الاغتراب فيحفظ توازنها ويحول بينها وبين الانهيار التام.

-3-
أما بلند الحيدري فقد كانت غربته الاجتماعية خطوة أولى إلى غربته الروحية، ويبدو أن انسلاخه من الإطار الثقافي الكردي واتصاله بالإطار الثقافي العربي بعد انتقال عائلته إلى بغداد أحد أسباب اغترابه الروحي، وهو يقول عن هذا السبب أنه كان ثاني شعور بالغربة ينمو لدي وبعمق الشعور الأول الناتج عن ضياعي في العائلة)).[92]) وحين تمكنت منه العزلة، وانكفأ على نفسه، سعى إلى ما يعمِّقها وقد أخذته العزة بها، فقرأ للشاعر كيتس وتصور أنّ الحب مرتبط بالموت))[93]) وتأثر بأبي العلاء المعري شاعراً وإنساناً، وأعجب برومانسية محمود حسن إسماعيل، وبالإنسان المتمرد في شعر الياس أبي شبكة.[94]) وتوج هذا النهج الاغترابي بتمثل الفكر الوجودي كما كان يحدث مع كامو وعلى استيعاب فلسفي لمفهوم اليأس واللزوجة والزمن والحرية في إطارها الفلسفي)).[95]) وهكذا يدخل مرحلة من الضياع واليأس، فينزع نحو الموت طلباً للهدوء، ويفقد إحساسه بالحياة، لأن التمرد بالرغم من انتصاره على العالم يظل بلا أمل، إذ أنه قد ولد من رؤية للموت المطلق، على حد تعبير دويلية.[96]) يقول الشاعر:

يا طيوف الغناء مرّي سريعاً

قد خبرتُ الحياة في كل دورِ

فعرفتُ الهدوء في الموت يحيا[97])وكلما اشتدت غربته الروحية، تلاشى يقينه، وتعملّق شكّه، يقول الشاعر:

رباه إنّ الشك يقتلني بدون ترحّم[98])

والشك بداية الانشطار الذاتي، فها هو ذا يتمزق، وينشطر إلى ذاتين: أنا وأنت. يقول:

يرن... يرن... يرن... يرن

- من أنت؟

- أنا أنت

- لقد أخطأت

...............

وتموت على كفّي السّماعة[99])

وينفصم عن ذاته، وهو إذ يتساءل هل نحن اثنان أم جيل أم جيلان))[100]) فإنما يحاول أن يتجاوز اختناقه، ويعلو على اغترابه. وعلى الرغم من أن التمزق معطى حضاري عند الأديب... يتحول عبر الحساسية الفنية معيناً خصباً يغذي أدبه بنَفَسٍ وجودي))[101]) فإنه سيتحول إلى حالة ازدواج في الكيان النفسي بفضل ضغوط خارجية أو تناقضات داخلية، فهو إذن حالة نفسية انعكاسية تنبع من تقمّص تجربة ذاتية واعية أو غير واعية)).[102]) وفي قصيدة ثلاث علامات)) نلمس هذا الازدواج بشخصيتين تمثّلان الشاعر، تتحاوران بقلق، ومن تكرار جملة وافترقنا))[103]) عند نهاية كل مقطع، نتوصل إلى أن الشاعر يحاول أن يطرد الشخصية الطارئة عليه، فكأنه بذلك يحتمي منها بذاته التي كانت بمثابة العالم كله له. ويبلغ اغترابه الروحي حد تجاوز الزمن، يقول:

للمرّة العشرينْ

أريد أن أنامْ

أسقط في النوم ولا أنامْ

للمرة الخمسينْ[104])

إنه يفقد إحساسه بالزمن الآن، كما فقد إحساسه بالمكان من قبل، وها هو ينسلخ عن الوجود، فيضع اهتماماته اليومية، إنساناً، موضع الشك والتساؤل، يقول:

أمؤلمٌ أنْ تلبس الحذاء كل يوم...؟

- أجل... أجل أكره أنْ أنزَعهْ

أكره أنْ ألبسَهْ[105])

وهكذا تقوده غربته الروحية الشاقة إلى عدّ الحياة زائفةً، لا جدوى منها: فالناس زائفون، والأيام زائفة،[106]) لأن غربته تلك أقوى من أن يوقفها شيء، فقد تغلغلت في خلاياه وأصبحت جزءاً من تكوينه.

-4-
وقد عاش السياب غربة روحية بعد أن تضافرت غرباته الاجتماعية، والعاطفية، والسياسية مع ما أفرزه مرضه الوبيل من هواجس وآلام، لتشكل حالة نفسية مركبّة هاجسها الموت، ولكنه هاجس تلطِّفه من حين لآخر ما عُرف عن السياب من حبٍّ للحياة وتشبّث بها، وأمل -وإن كان متفاوتاً في قوته وضعفه- في الشفاء من مرضه.

ويبلغ اغترابه الروحي ذروته حين يقع السياب في الوهم: والوهم وليد كابوس الاغتراب الجاثم على الصدر، والوالغ في الروح، إنه الوهم) نتاج الاغتراب ولكنه معادل له ومتكافئ معه، يقول الشاعر:

ولبست ثيابي في الوهم

وسريت: ستلقاني أمي

في تلك المقبرة الثكلى[107])

إنّ وهم السياب قام على أنه لبس ثيابه، وقام يمشي)) وهما فعلان ينفيان المرض الذي أقعده، أي أنهما في بؤرة تمنّي الشاعر وفي مواجهة ثورة اغترابه المتمثل في عجزه. ومن مظاهر وهمه توقه إلى رؤية الخالق، يقول:

تأنف أنْ تمسّني يداكْ

أود لو أراك.. من يراكْ؟

أسعى إلى سدّتك الكبيرةْ

في موكب الخطاة والمعذبيّن[108])

على أن السياب كان عارفاً أنه في غربة روحية، على الرغم من شراسة مرضه الذي ربّما عطل جزءاً من تفكيره واغتال بعضاً من وعيه، يقول:

يا غربة الروح في دنيا من الحجرِ

والثلج والقار والفولاذ والضجرِ.

يا غربة الروح لا شمس فائتلقُ

فيها ولا أفقُ

يطير فيه خيالي ساعةَ السحر[109])

ووعيه بغربته الروحية مُلِمٌّ هو الآخر بخواء نفس الشاعر، واستحالة رجائه، ولولا هذا الوعي لطغت الغربة على فكر الشاعر وخياله، وحالت بينه وبين قول الشعر بل إن الشاعر يشحذ وعيه إلى أقصى طاقته من اليقظة والفعل، فيكتب إحدى قصائده الأخيرة بطريقة البيت الشعري، يقول في مطلعها:

نفسي من الآمال خاوية جرداء لا ماء ولا عُشُبُ

ما أرتجيه هو المحال وما لا أرتجيه هو الذي يَجِبُ[110])

وتلك إحدى علامات اغترابه الروحي الذي استدعى مثل هذا الجهد ليساويه في القوة والأثر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taghzout.mam9.com
 
الاغتراب في الشعر العراقي - الاغتراب الروحي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير :: الشعر العربي و المغاربي :: الشعر في البلاد العربية-
انتقل الى: