تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير

تغزوت لقاء الأشقاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الاغتراب في الشعر العراقي - الاغتراب المكاني و الموقف من المدينة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 103
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: الاغتراب في الشعر العراقي - الاغتراب المكاني و الموقف من المدينة   الإثنين يونيو 23, 2008 9:51 am

الاغتراب المكاني والموقف من المدينة:
-1-
اتخذ الشعراء الرواد مواقف متنوعة من المدينة تراوحت بين الرفض والقبول والتعاطف، كل بحسب الظروف التي نشأ فيها، وأشكال الاغتراب التي عانى منها، ولذلك نرى أن للشاعر أحياناً أكثر من موقف تمليه عليه نظرته إلى المجتمع، فالموقف من المدينة يكاد أن يكون صدى للموقف من المجتمع.

فالسياب شاب ريفي نازح من قرية صغيرة ودخل المدينة وهو يعاني من الغربة الاجتماعية، فلا عجب إذا نفر من بغداد مثلاً لأنها عجزت أن تمحو صورة جيكور أو تطمسها في نفسه))[37])، كما يقول إحسان عباس فقد خذلته عاطفياً وسياسياً، يقول:

وتلتف حولي دروب المدينةْ

حبالاً من الطين يمضغْن قلبي

......
حبالاً من النار يجلدْن عُريَ الحقول الحزينةْ[38])

فقد قتلت المدينة في نفسه صورة جيكور وبراءتها وطهرها، في الوقت الذي كان يرجو فيه أن تُداوي جراحه، وتحقّق أحلامه. من أسباب نفور السياب من المدينة: إنها بخيلة لا تجود كما تجود القرى سخاء، ونقاء، وحباً، يقول:

مدينتنا تؤرق ليلها نار بلا لهبِ

.......

سحائبُ مرعدات مبرقات دون أمطارِ[39])

ومن تلك الأسباب: قسوة المدينة، التي تجسدت في توسعها على حساب الموتى من أجل إشباع نهم أربابها الطبقيين الذين يمارسون الاستغلال ابتغاء الحصول على حفنة من النقود لا تساوي عظام الموتى البالية، يقول الشاعر:

وأوقدت المدينة نارها في ظلّةِ الموتِ

تقلّع أعينَ الأموات ثم تدسُّ في الحفرِ

بذورَ شقائق النعمان، تزرع حبة الصمتِ

لتشعر بالرنين من النقود وضجّة السفرِ[40])

وهناك القهر السياسي الذي ارتبط بالمدينة ونال منه السياب المطاردة، والسجنَ، والتشردَ، يقول الشاعر:

..........سر بروس في الدروبْ

في بابل الحزينة المهدّمةْ

ويملأ الفضاء زمزمةْ[41])

فـ سر بروس)) رمز الطغيان السياسي الذي انتصب في المدينة جبّاراً يشيد السجون والملاهي والبارات والمباغي،[42]) تلك الرموز التي كرهها الشاعر واقترنت عنده بابتلاع الإنسان، واغتيال آدميّته. وثمة داع آخر يسميه الباحث بالاقتصادي فقد عانى السياب من الفقر، في الوقت الذي تمتع فيه نفر جاهل بالثروات الهائلة، ولما كانت المدينة مقرّ المال فقد ارتبطت عنده بالطغيان الاقتصادي.

يقول:

وبين الضحى وانتصاف النهارْ

إذا سبحّتْ باسم ربّ المدينةْ

........

رحى معدن في أكفِّ التجارْ

لها ما لأسماك جيكور من لمعةٍ واسمها من

معانٍ كثار[43])

ولا يخفى أنّ ذلك يمثّل موقفه حيال الظلم الطبقي الذي ابتنى رفاهه وسعادته من عرق الآخرين، وثمة داع آخر يسميه الباحث بالعاطفي لأنه يتصل بتجارب السياب الغرامية التي خرج فيها بِخُفّيْ حنين. فالقراءة النفسية لبعض نصوص الشاعر قد تعين على فهمها فهماً صحيحاً، واستخراج المعنى الذي واراه الشاعر: فلنقرأ له في قصيدة أم البروم)):

فأين زوارق العشاق من سيارةٍ تعدو

ببنتِ هوىً؟ وأين موائد الخمّار، من سهلٍ

يمدّ موائد القمرِ

على أمواتك المتناثرين بكل مُنحدرِ[44])

إن المعنى المباشر الذي ينطوي عليه النص هو تعلق الشاعر بالقرية، ومقارنتها بالمدينة بدليل الأبيات التي سبقته:

صدى من غمغمات الريف حول مواقد السحرِ....الخ[45])

ولكنّ السياق يستدعي تفسيراً نفسياً: فلا يعقل أن يكره السياب السيارة)) ولا يبدو منطقياً أنْ يكره موائد الخمر وهو الذي عرف بمعاقرتها. إن معنى آخر يكمن في النص، والرجوع إلى قصيدة أحبيني)) ربما سيكشفه. ففي هذه القصيدة التي يستعرض فيها الشاعر أو ضاع حبيباته، يستوقفنا قوله:

وتلك كأنّ في غمازيتها يفتح السحرُ

عيونَ الفل واللبلاب، عافتْني إلى قصر وسيّارةْ

إلى زوج تغيَّرَ منه حال.......[46])

إن هذه السيارة التي كانت سبباً في احتياز حبيبته من قبل غيره أصبحت رمزاً بغيضاً لديه يفصح عنه كلما أسعفه لا وعيه، وكما ارتبطت السيارة عنده بذكرى حزينة، كذلك ارتبطت موائد الخمر بذكرى حزينة أخرى.

ففي القصيدة نفسها نقرأ:

وتلك وزوجها عَبَدَا مظاهر ليلُها سهرُ

وخمرٌ أو قمارٌ ثم يُوصدُ صبحها الإغفاءْ[47])

الرمز الأسود ينتقل من السيارة إلى موائد الخمر فقد انساقت حبيبته سلوى)) وراء زوج ساقها هو الآخر إلى ماكانت تشتهي ويروق لها، السهر وموائد الخمر، وكذلك كان وعي الشاعر الباطن هو الذي يتحدث وهو يشاهد ماتفعله ظواهر المدينة الحضارية من هدم لقبور الموتى، وتدنيس لحرمة الموت، وما تثيره من ذكريات مريرة في نفسه.

وهناك داعٍ آخر بالإمكان تسميته بالنفسي: فهو موقف من بعض مظاهر الحضارة التي تعيشها المدينة. فالمدينة خصمه: عاش فيها خيباته العاطفية، وهزائمه السياسية، وقدتراكم في نفسه منها مايعبّر عنه أحياناً بالرجوع إلى القرية الوادعة، البسيطة، التي لم يغزُها بعدُ هذه المظاهر/الجراثيم. ففي قصيدةجيكور والمدينة)) يقرن الشاعر وجود السجن والمبغى بوجود الكهرباء:

وفي كل مستشفيات المجانين

في كل مبغى لعشتار

يطلقنْ أزهارَهُنّ الهجينة

مصابيح لم يُسْرِج الزيتُ فيها، وتمسسْه نار[48])

فالشاعر ينكر على هذه المصابيح أنها لا تشتعل بواسطة الزيت، فكأن الشاعر قارن بينها -لا واعياً- وبين الكوكب الدريّ الذي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار))[49]) فربما رأى الشاعر في الكهرباء، وهي أيضاً أحد رموز المدينة -تحدّياً لخالق الكون، فهذا الرمز الآلي لا يضيء المصابيح دون زيت فحسب وإنما لأنه يميت البشر أيضاً، فهذه لاة)) أم تموز تنعي ولدها الذي صعقته الكهرباء:

وترسل النواح: ياسنابل القمرْ

دم ابنيَ الزجاج في عروقه انفجرْ

فكهرباء دارنا أصابت الحجرْ

وصكّه الجدار، خضّه، رماه لمحة البصرْ

أراد أنْ يُنير، أنْ يبدّد الظلام، فاندحرْ[50])

وقد يتمادى السياب في مناوءة الحضارة)) المدمرة، فيرفع عقيرته ضد القطار أيضاً هو الآخر من رموز المدينة الظالمة:

ترفع بالنواح صوتها كما تنهّد الشجرْ

تقول: ياقطارُ، ياقدرْ

قتلتَ -إذْ قتلتَهُ- الربيعَ والمطرْ))[51])

فالقطار، مثل الكهرباء، قاتل، قتل الربيع والمطر رمزيْ الحياة، والخصب والوجود.

لقد كانت المدينة على وفق الأسباب التي ذكرناها عنصراً قاهراً، معتدياً، مسخ الإنسان، وعبث بمصيره من أجل غايات دنيئة:

لتشعر بالرنين من النقود وضجة السفر

وقهقهة البغايا والسكارى في ملاهيها

وعصّرت الرنين من النهود بكل أيديها

تمزّقهنّ بالعجلات والرقصات والزُمُرِ

وتركلهن كالأُكَرِ[52])

ولقد كان السياب منسجماً مع نوازعه ومبادئه حين وقف ذلك الموقف من المدينة لأن صدمته فيها حادة ومزمنة))[53]) كما يقول إحسان عباس ولكنها ليست مبهمة))[54]) كما يرى، لأن تلك الصدمة لم تنشأ في المدينة وإنما نشأت بصورة اغتراب اجتماعي - كما قدم الباحث - في جيكور، وقد زادتها المدينة حدة وتعقيداً بسبب مآسي الشاعر الوجدانية والسياسية التي عرضها البحث.

-2-
أما البياتي فهو ابن المدينة، ففي باب الشيخ)) نشأ وترعرع، يقول الشاعر:

حبٌّ من باب الشيخ ورائي

يمتد كخيطٍ مسحورْ

أمسكه فأرى بيتاً يغرق بالنورْ

أتطلّعُ نحو الباب المغلقِ

في عينيْ طفلٍ مبهور[55])

وكان من المفترض أن تنشأ ألفة بين الشاعر وبين المدينة ولكن ظرف اغترابه السياسي والاجتماعي ألهمته مواقف صنفها الباحث في مرحلتين:

ففي المرحلة الأولى تشي النصوص الشعرية بتعاطف مع المدينة ضد رموز العسف والقهر التي تربعت فيها، وبالإمكان استشفاف موقفين: اجتماعي وسياسي أما الاجتماعي فينبثق من كون استيطان الوحش -رمز الاستغلال- المدينة، والذي امتهن مصادرة ما تغله الحقول، تاركاً الفقراء ينتظرون موتهم باستسلام القانع، يقول الشاعر:

ها هنا عالم يجوع لتلهو في مقادير عيشه طاحونةْ

باعت الأرض روحَها -وتأبّتْ أنْ تعي بؤسها -لوحش المدينةْ[56])

ويندرج ضمن الموقف الاجتماعي، اقتران المدينة بالسل، والخوف، والجريمة، وهي نتائج حتمية لطبيعة المؤسسة السياسية آنذاك التي تركت الشعب بين مخالب الفقر، والجهل، والمرض، وربما أوحى كل ذلك للشاعر أن يقول عن المدينة إنها مدينة مزيفة))،[57]) يقول الشاعر في ذلك:

في ليالي الموت والخلق، وفي الأعماقِ

أعماق المدينةْ

لم تزل كالهرة السوداء، كالأم الحزينةْ

تلد الأحياء، في صمتٍ، وأعماقُ المدينةْ

تبصق الموتى، على الأرصفةِ الغُبْرِ السخينةْ[58])

ويتجسد الموقف السياسي في كون المدينة إحدى ضحايا السلطة القائمة، ولذلك اتسم موقف الشاعر بالتعاطف مع المدينة ضد النار)) التي التهمت الأخضر واليابس فيها، ضد الحاكم الذي أشعل المدينة بمن فيها وما فيها، يقول الشاعر:

ومرت السنونْ

لكنني أفقت يا أميرتي

من غمرة الجنونْ

ولم أعدْ أجتاز في رأد الضحى

طريقَنا الواغل في مجاهل الظنونْ

فالنار في مدينتي امتدت إلى حدائق الليموْن[59])

وبسبب ذلك يعلن الشاعر إدانته لمن استباح مدينته، واعتدى على حرماتها، فهي الآن غريبة مثله، تقاسي من العسف، وتعاني من السأم، والخوف، يقول:

مدينتي استباحها الغجرْ

مدينتي أهلكها الضجرْ

مدينتي، القمرْ

يخاف من بيوتها المنفوخة البطونْ

يخاف من عيونْ

حاكِمها الشرّير[60])

ولكن البياتي لم يُعدم الموقف القاسي على المدينة حين تكون رمزاً للقهر السياسي والموت، ففي قصيدته خيبت مين)) يتحدث على لسان جندي فرنسي عن باريس حيث البغايا الشقر، والعتمات، والمتسولون، وضريح ميرابو وروسبير والفكر المهان تحت النعال))[61]) إذ يخاطب زوجته:

وأنا وأضواء الحرائق، والجنودْ

وحصون لاووس)) المنيعة، واللظى والثائرون

بحرابهم، أبدأ، برشاشاتهم، يتقدمون

الموت للمستعمرين))![62])

أما في المرحلة الثانية فقد تطور موقف الشاعر باتجاه الرفض لا سيما في قصائد القناع والسير الشخصية. ويبدو أن موقف الرفض هذا وليد يأس الشاعر من وثوب المدينة على حاكمها، فاستدار نحو التراث العربي والإسلامي والعالمي يختار منها شخصياته النموذجية من ثوار، وعشاق، ومتمردين فقراء، ولان معظم هؤلاء حاربوا مدنَهم، أو حاربتهم مدنُهم فإن التزام البياتي، موضوعياً وفنياً، لهذا الاشكال التاريخي أمر مفروغ منه.

في قصيدة موت المتنبي، يفتتح البياتي مقطعها الأول بالدعوة على المدينة:

لتحترق نوافذ المدينةْ

ولتذبل الحروف والأوراقْ[63])

وإذا كانت المدينة)) هنا مبهمة وعامة، فالشاعر في نصوص أخرى يسميها: فهي بابل، ومرة نراه يتحسر عليها لأنها تحت قبة الليل، يقول الشاعر:

تموز لن يعود للحياهْ

فآهِ ثم آهْ

بابل تحت قبة الليل، للازاد ولا معادْ[64])

ومرة نسمعه ينسبها إلى الشر:

بابل يا مدينة الأشرار[65]).

لأن الحمل الذي كان ينتظره، كان كاذباً فخلاص الوطن لم يزل بعيداً، فلم يبق إلا انتظار الفارس المجهول)) لكي يبذر)) في بطنها بذرة الحمل الحقيقي. إن رفض الشاعر المدينة في هذه المرحلة، هو رفض للواقع السياسي، الذي اتسّم بالتأزم، بل التفجّر، والتردّي حيث هزيمة الخامس من حزيران، ولذلك يتصاعد غضب الشاعر، على المدينة: رمز المؤسسة السياسية، ويعلو صوته لإحداث التغيير الثوري: دون جدوى.

-3-
أما بلند الحيدري الذي بالغ في اعتزال المجتمع، فقد انعكس موقفه من المجتمع على موقفه في المدينة، في مرحلته الاغترابية الأولى. فلم يزل شاباً، داهمته الغربة الاجتماعية، حين دخل المدينة حذراً، من مجهول يخشاه، فدروب المدينة كما رآها أفعى ولكنه -مع ذلك- لم يتردد من ارتيادها[66]) على الرغم مما عرف من زيفها وهجنتها، يقول:

ماذا سأفعل في المدينةْ؟

وسألتني:

ستضيع خطوتك الغبية في شوارعها الكبيرةْ

ولسوف تسحقك الأزقّات الضريرةْ

ولسوف ينمو الليل في أعماقك الصماء

آمالاً حزينةْ[67])

وكان عليه على وفق هذه الرؤيا السوداوية أن يعود إلى قريته ولكن قريته أصبحت مدينة هي الأخرى، يقول:

فلمن أعود؟

لقريتي

أو للشتاء يحزّ أرصفة المحطة

...............

لا لن أعود...

لمن أعود وقريتي أمست مدينةْ[68])

لقد كان غريباً في قريته، ولم يكن أمامه غير خيار الارتحال إلى المدينة وكأنه كان يتداوى من الرمضاء بالنار.. أما في منفاه الاختياري فقد اختفى الرفض من نصه الشعري، وحل محله التعاطف مع المدينة التي فارقها راغماً، فربما وجد أنها غريبة مثله، تذرف جراحها تحت مدية النظام السياسي القائم آنذاك، كما تنزف جراحه في اغترابه، يقول بلند:

أعرف يا مدينتي

كم من جراح ثرّةٍ... مريرةً

تنزف تحت الأجنح الكسيرةْ

لكنني أعرف يا مدينتي

ماذا وراء بيتنا الكئيبْ

ماذا وراء صمته الرهيبْ

أي غد يلمع في الدروبْ[69])

ولذلك يعلن عن حنينه إليها، فأقصى حلمه أن يعود، يفتح شباك داره، ويفك اختناقه الذي تعاظم في ذاته وهو بعيد عنها، يقول:

احلم يا مدينتي بالرجوعْ

لدارنا المطفأة الشموعْ

.....

فأوقظ المصباحْ

وأفتح الشباك للرياحْ

وأترك المفتاح خلف البابِ

للصوصِ

للزوارِ

للوعودْ[70])

إن صخرة الغربة المكانية -خارج وطنه- تجثم على صدره، ولذلك حاول أن يزحزحها عن أنفاسه، فيحلم أنه فتح نافذته، واستنشق هواء العودة لذاته ولوطنه معاً، ولكنه حين يصحو على واقعه، يتحسس جراحاته الناتئة في أعماقه ليرى أن ما تصوره حملاً كان كاذباً، يقول:

امرأة تحبل في الحي ولا تلدُ

تكبر في الوهم ولا تعدُ[71])

ومع ما يراه من مظاهر الحمل الكاذب فإن الأمل يحدوه في أن يعود إلى مدينته وهي:

مثقلة ببشائر صبحْ

بالبرء المتململ خلف الجرْح[72])

بذلك يعبر بلند عن عمق اغترابه فيرفض المدينة ويدين زيفها، ولكنه إلى جانب ذلك يحاول استعادة توازنه، في مواجهة إحباطاته وعذاباته، فينسلخ عن حلقه، ويطفئ غيضه من خلال التطلع إلى المدينة، والائتلاف معها، وبذلك فإن الباحث لا يتفق مع الرأي القائل أن بلند يمثل قمة النفور من كل ما يسمى مدينة))[73]) فربما انسحب هذا الرأي على مرحلة الشاعر الأولى كما تقدم في البحث

-4-
تعاني نازك الملائكة في بعض الأحيان من صخب المدينة فتتمنى أن لو كان لها منتجع في قرية، أو كوخ بين الحقول، تقول الشاعرة:

آه لو كان لي هنالك كوخ شاعريٌّ بين المروج الحزينةْ

في سكون القرى ووحشتها أقضي حياتي لا في ضجيج المدينةْ[74])

وربما استبدلت القرية، حينا، بالجبال، تقول:

ليتني من بنات تلك الجبال الفنّ حيث الجمال في كلِّ ركن[75])

إن انطواء نازك، وكرهها للضوضاء، ومقتها لزيف المدينة، ألهمها الرغبة في اعتزال المدينة، والالتجاء إلى القرية أو إلى الجبل، على أن استفحال غربتها النفسية بعد ذلك ربما كان وراء تجاوزها غربة المكان))[76]) ولكن ليس بشكل مطلق، فقد شعرت بالغربة المكانية في جبال الشمال))، فربما رأت هناك ما أشعرها بالخوف، وأثار فيها ذكريات أليمة، أو ربما كان ارتيادها الجبال فراراً من وحشة قاسية حاولت تخفيفها، فإذا بها تلقى مالا تتوقعه من الوحشة المضاعفة تقول الشاعرة:

شبح الغربة القاتلةْ

في جبال الشمال الحزينْ

شبح الوحدة القاتلةْ

في الشمال الحزينْ

عدْ بِنا قد سئمنا الطوافْ

في سفوح الجبال وعدنا نخافْ

أن تطول ليالي العذابْ[77])

ولكما اشتدت في ذاتها عوامل الاغتراب وأخذت بخناقِها نفسُها القلقة، وروحُها الحزين، رغبتْ في الرحيل، لا لشيء إلا هرباً مما يعتمل في داخلها من رؤى موحشة، وربما هربا من شيء تجهله، تقول الشاعرة:

ويسألنا الأفق أين نسافر؟ أين نسيْر؟

ومن أيّ شيء هربنا؟ وفيم؟ لأيّ مصيرْ؟[78])

على أنها في الحالتين صريع الاغتراب المكاني، فقد شعرت بذلك وهي في وطنها كما تقدم في شمال الجبال الحزين)) وها هي تشعر بالغربة ذاتها وهي في الولايات المتحدة، تقول الشاعرة:

نخاف الأصيلْ

ونرحل لا رغبةً في الرحيلْ

ولكن لنهربَ من ذاتنا، من صراع طويلْ

ومن أننا لم نزل غرباء[79]).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://taghzout.mam9.com
 
الاغتراب في الشعر العراقي - الاغتراب المكاني و الموقف من المدينة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تغزوت منتديات المغرب العربي الكبير :: الشعر العربي و المغاربي :: الشعر في البلاد العربية-
انتقل الى: